تُؤدي الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران إلى مواجهة المستهلكين والشركات في جميع أنحاء العالم لأسابيع أو شهور من ارتفاع أسعار الوقود، حتى لو انتهى النزاع الذي لم يمر عليه سوى أسبوع سريعًا، حيث يُعاني الموردون من أضرار في المنشآت، واضطرابات في الخدمات اللوجستية، ومخاطر متزايدة على الشحن، ويُمثل هذا الوضع تهديدًا اقتصاديًا عالميًا ونقطة ضعف سياسية للرئيس الأمريكي دونالد ترمب قبيل انتخابات التجديد النصفي، حيث يُبدي الناخبون حساسية تجاه فواتير الطاقة، ويرفضون التدخلات الخارجية، وقال محللو "جي بي مورغان" في مذكرة بحثية: "يتحول السوق من تسعير المخاطر الجيوسياسية البحتة إلى التعامل مع اضطرابات تشغيلية ملموسة، مع بدء إغلاق المصافي وقيود التصدير، واضطراب معالجة النفط الخام، وتدفقات الإمدادات الإقليمية". وأدى الصراع بالفعل إلى تعليق نحو خُمس إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي العالمية، حيث تستهدف طهران السفن في مضيق هرمز الحيوي بين سواحلها وسواحل عُمان، وتشن هجمات على البنية التحتية للطاقة في جميع أنحاء المنطقة. وقد ارتفعت أسعار النفط العالمية 36 % منذ بدء الحرب، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الوقود للمستهلكين في جميع أنحاء العالم. يعني الإغلاق شبه الكامل للمضيق أن كبار منتجي النفط في المنطقة - السعودية والإماراتوالعراق والكويت - اضطروا إلى تعليق شحنات تصل إلى 140 مليون برميل من النفط -أي ما يعادل حوالي 1.4 يوم من الطلب العالمي- إلى مصافي التكرير العالمية. ونتيجة لذلك، تمتلئ مخازن النفط والغاز في منشآت الخليج العربي سريعاً، مما يجبر حقول النفط في العراق والكويت على خفض إنتاج النفط، ومن المرجح أن تحذو الإمارات حذوها، وفقًا لمحللين وتجار ومصادر. وقالت مصادر، في وقت قريب، سيضطر الجميع إلى التوقف عن الاستيراد إذا لم تصل السفن. قال أمير زمان، رئيس الفريق التجاري للأميركتين في شركة ريستاد إنرجي، إن حقول النفط التي أُجبرت على الإغلاق في أنحاء الشرق الأوسط نتيجةً لاضطرابات الشحن قد تستغرق وقتًا للعودة إلى وضعها الطبيعي. وأضاف: "قد ينتهي النزاع، لكن ذلك قد يستغرق أيامًا أو أسابيع أو شهورًا، اعتمادًا على أنواع الحقول وعمرها ونوع الإغلاق الذي اضطرت إليه قبل أن يعود الإنتاج إلى مستوياته السابقة". في غضون ذلك، تستهدف القوات الإيرانية البنية التحتية للطاقة في المنطقة، بما في ذلك المصافي والمحطات، مما يجبرها على الإغلاق أيضًا، وقد تضررت بعض هذه العمليات بشدة جراء الهجمات وتحتاج إلى إصلاحات. وأعلنت قطر حالة القوة القاهرة على صادراتها الضخمة من الغاز، بعد هجمات الطائرات الإيرانية المسيّرة، وقد يستغرق الأمر شهرًا على الأقل للعودة إلى مستويات الإنتاج الطبيعية، وتُزوّد قطر 20 % من الغاز الطبيعي المسال العالمي. وبرّر البيت الأبيض الهجوم على إيران، قائلاً إنها تُشكّل تهديداً وشيكاً للولايات المتحدة، دون تقديم أي تفاصيل. كما أعرب ترمب عن قلقه إزاء مساعي إيران للحصول على سلاح نووي. من شأن إنهاء الحرب سريعاً أن يُهدئ الأسواق. لكن العودة إلى مستويات العرض والأسعار قبل الحرب قد تستغرق أسابيع أو شهوراً، تبعاً لحجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والشحن. يقول جويل هانكوك، محلل الطاقة في ناتيكس سي آي بي: "بالنظر إلى الأضرار المادية الناجمة عن الضربات الإيرانية، لم نرَ حتى الآن أي شيء يُمكن اعتباره أضراراً هيكلية، مع أن الخطر يبقى قائماً طالما استمرت الحرب". السؤال الأهم بالنسبة لإمدادات الطاقة هو كيف ومتى سيصبح مضيق هرمز آمناً للملاحة مجدداً. وقد عرض ترمب مرافقة بحرية لناقلات النفط، ووعد بتقديم دعم تأميني أمريكي للسفن في المنطقة. لكنّ الأمن في الممر المائي قد يكون بعيد المنال، إذ تمتلك إيران القدرة على شنّ هجمات بطائرات مسيّرة على السفن لعدة أشهر، وفقًا لمصادر استخباراتية وعسكرية. في غضون ذلك، يتردد صدى اضطراب شحنات الطاقة في سلاسل التوريد والاقتصادات في آسيا التي تعتمد على الاستيراد، والتي تستورد 60 % من نفطها الخام من الشرق الأوسط. في الهند، أعلنت شركة مانغالور لتكرير البترول والبتروكيميائيات، المملوكة للدولة حالة القوة القاهرة على شحنات تصدير البنزين، لتنضم بذلك إلى عدد متزايد من مصافي التكرير في المنطقة غير القادرة على الوفاء بعقود البيع بسبب نقص الإمدادات. خفضت مصفاتان على الأقل في الصين إنتاجهما. وطلبت الصين، وهي مورد رئيسي للمنطقة، من مصافي التكرير تعليق صادرات الوقود. كما علقت تايلاند صادرات الوقود، بينما علقت فيتنام شحنات النفط الخام. وقد أعطى هذا الاضطراب دفعة قوية لروسيا. ارتفعت أسعار شحنات النفط الخام الروسي بعد أن منحت الولاياتالمتحدة مصافي التكرير الهندية مهلة 30 يومًا لشراء النفط الخام الروسي كبديل عن الإمدادات المفقودة من الشرق الأوسط. وكانت واشنطن قد مارست ضغوطًا على الهند لخفض واردات النفط الروسي تحت طائلة فرض رسوم جمركية. وفي اليابان، ثاني أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في العالم، قفزت العقود الآجلة للطاقة الأساسية في طوكيو للسنة المالية التي تبدأ في أبريل بأكثر من الثلث في بورصة طوكيو للغاز الطبيعي المسال حسبًا لارتفاع أسعار الوقود. وفي سيول، اصطف السائقون أمام محطات الوقود تحسبًا لارتفاع أسعار البنزين. أما بالنسبة للمستهلكين الأوروبيين، فتمثل أزمة إمدادات الغاز وارتفاع الأسعار ضربة مزدوجة. فقد تضررت المنطقة بشدة من انقطاع إمدادات الغاز نتيجة للعقوبات المفروضة على واردات الطاقة الروسية بعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022. واتجهت أوروبا إلى استيراد الغاز الطبيعي المسال كبديل عن الغاز الروسي المتدفق عبر الأنابيب. وتحتاج أوروبا الآن إلى شراء 180 شحنة إضافية من الغاز الطبيعي المسال مقارنة بالعام الماضي لملء مخزونات الغاز إلى المستويات المطلوبة قبل الشتاء المقبل. تضاءلت مخاطر نقص الإمدادات في الولاياتالمتحدة، إذ نمت البلاد في السنوات الأخيرة لتصبح أكبر منتج للنفط والغاز في العالم. إلا أن أسعار النفط الخام والوقود في الولاياتالمتحدة ترتفع بالتوازي مع أسواق النفط الخام العالمية، ما يؤثر على أسعار البنزين والديزل في محطات الوقود حتى مع وفرة الإمدادات المحلية. فعلى سبيل المثال، بلغ متوسط سعر البنزين بالتجزئة في الولاياتالمتحدة 3.32 دولارًا للجالون يوم الجمعة، بزيادة قدرها 34 سنتًا عن الأسبوع الماضي، وفقًا لجمعية السيارات الأميركية. في حين بلغت أسعار الديزل 4.33 دولارًا للجالون، مرتفعة من 3.76 دولارًا للجالون قبل أسبوع.