في عصر التقنية هل أمست زيارة المستشفيات ضرورة ملحة، أم مجرد ترف؟ وإلى أي مدى أصبح المريض مضطراً لزيارة المستشفيات؟ وهل مازالت المستشفيات هي الخيار الأول للمريض عند شعوره بالمرض؟ هذه الأسئلة في الواقع ما هي إلا سؤال واحد مع تعدد صيغ طرحه، وقد تبدو الأسئلة بسيطة للوهلة الأولى وربما ساذجةً أيضاً، مع ذلك فهي أسئلة مطروحة الآن على الساحة وللأسئلة أبعاد عميقة، فلاتستعجل عزيزي القارئ في الإجابة عنها، فأنا أعلم سلفاً أن الجواب عن هذا السؤال لن يخرج عن دائرة (نعم) المؤكدة، فالمريض متى استشعر حاجته للمستشفى هرول إليها مسرعاً بلا شك، مع ذلك تابع معي المقال حتى نهايته لتعرف المغزى من طرح السؤال. إذاً لماذا أطرح هذا التساؤل طالما الإجابة عنه معروفة مسبقاً؟ في الواقع لي تجربة مريرة قادتني إلى كتابة ذلك، فقبل يومين من الآن، قمت بزيارة أحد المستشفيات الخاصة لعرض طارئ ألمّ بي، وسبق أن مررت بعدة تجارب مماثلة مع أطباء جعلتني أرسم التصور الذي أنا بصدد الحديث عنه، تصوراً يستحق الوقوف عنده والتأمل فيه، فمن الأطباء اليوم من لا يكلف نفسه عناء القيام بالكشف عليك كمريض، ولا يبالي أي جهد يذكر للفحص السريري، أقصى ما يقوم به هو تجهيز عدة أسئلة يطرحها عليك وفي أثناء ذلك يقوم بإدخالها على جهاز الكمبيوتر الذي يقبع أمامه، وبناءً على إجابتك يتم التشخيص من قبل الجهاز، ومن ثم يتم صرف الدواء، هذا ما حصل معي في أكثر من زيارة لأكثر من مستشفى، وهذا السلوك الذي قام به الطبيب يمكن أن يقوم بها شات جي بي تي في رأيي الشخصي. ففي زمن أصبح الذكاء الاصطناعي حاضراً وبقوة في كل تفاصيل حياتنا، ويتفاعل معنا بشكل عجيب، بل ومخيف في بعض الأحيان، من ناحية إجابته على كل ما استشكل علينا في حياتنا حتى قبل أن نسأل، بما في ذلك أسئلتنا التي نطرحها له عن حالتنا الصحية، في ظل ذلك بات بإمكان هذا البرنامج أخذ دور الطبيب والإجابة عن كل العلل التي نشتكي منها، فقط نطرح سؤالاً ونخبر الذكاء الاصطناعي بالعلة أو المرض الذي نشتكي منه ومن ثم نلقى الإجابة حاضرة بتفاصيل دقيقة، مع قدرة البرنامج على كتابة أدوية وعلاجات طبية لك، وإعطائك مرفقات لوصفات منزلية فعالة تعتمد على أمور بسيطة موجودة في كل بيت، وهنا يبرز التساؤل إذا كان التشخيص يعتمد في جوهره على إدخال البيانات وعرضه على نظام رقمي فما الذي يمنع برنامجاً ذكياً من أداء الدور ذاته. في الماضي عند الذهاب إلى الطبيب، بل منذ عهد قريب أذكر جيداً أنه كان هناك حوار مباشر يتم بين الطبيب والمريض، يعقبه كشف وفحص سريري دقيق، يمسك الطبيب بيد المريض ويتحسس مواضع الألم فيه يستمع إلى حديثه عن مرضه وهو ينظر إليه وليس إلى جهاز الكمبيوتر، ثم يبني تشخيصه بناءً على تلك الإجراءات، هذا الإجراء لم يعد موجوداً الآن مع بالغ الأسف في بعض المستشفيات التي قمت بزيارتها، فكل ما يقوم به الطبيب هو استجواب المريض وإدخال الأجوبة التي أجاب بها إلى جهاز الكمبيوتر، وعندما أصف تجربتي هذه، فهذا لا يعني بالضرورة التقليل من قيمة الطب الحديث أو التقنيات الرقمية لكنها دعوة مني للتأمل والوقوف عند هذا التصرف، والإجابة عن تلك الأسئلة، وهل نحن أمام تطور يحسن جودة الرعاية الصحية أم أمام اختزال لدور الطبيب في عملية إدخال معلومات يحللها الجهاز فحسب؟ عدنان هوساوي