في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتزاحم فيه المعلومات، لم تعد المشكلة في قلة الوعي بقدر ما أصبحت في زيادته، ويشير مختصون في علم النفس إلى أن بعض الأفراد يعيشون حالة يمكن وصفها ب"الوعي المفرط"، وهي حالة من التفكير الزائد والتحليل المستمر لكل موقف، حتى يبقى العقل في حالة استنفار لا تتوقف. وأوضح أنس محمد الجعوان -مستشار تنمية المهارات- في تصريح ل"الرياض" أن الإفراط في التفكير والاجترار الذهني يرتبط بارتفاع مستويات التوتر والقلق لدى كثير من البالغين، مبيناً أن الدراسات النفسية الحديثة تؤكد وجود علاقة واضحة بين التفكير المفرط واضطرابات القلق والاكتئاب، خاصةً لدى الأشخاص الذين يميلون إلى تحليل التفاصيل بصورة متكررة لا تنتهي. وذكر أن الوعي في حدّه الطبيعي يمنح الإنسان بصيرة واتزاناً، أما حين يتجاوز حدّه فيتحول إلى عبء ذهني يستنزف الطاقة النفسية، فالشخص الذي يعاني من هذا النمط لا يكتفي بفهم الموقف، بل يعيد تحليله مرات عديدة، ويتساءل باستمرار: لماذا قيل هذا؟، ماذا يقصد الآخرون؟، كيف فُهم كلامي؟، ومع تكرار هذا النمط يتحول الموقف العابر إلى قضية ذهنية مفتوحة يصعب إغلاقها. ويشير مختصون إلى أن الدماغ لا يفرّق دائماً بين الخطر الحقيقي والخطر المتخيل، فمجرد استمرار التفكير في الاحتمالات السلبية قد يدفع الجسم لإفراز هرمونات التوتر كما لو أن التهديد قائم فعلاً، وهو ما قد ينعكس على النوم والتركيز والحالة المزاجية مع مرور الوقت. ومن المفارقات أن من يعانون من هذا النوع من التفكير غالباً ما يكونون أصحاب حساسية عالية ووعي كبير وقدرة على الملاحظة الدقيقة، إلاّ أنهم يميلون إلى تحميل أنفسهم مسؤولية كل التفاصيل، والسعي إلى القرار المثالي والفهم الكامل لكل موقف، وهو ما يزيد من شعورهم بالإرهاق النفسي. ويؤكد مختصون أن الحل لا يكمن في تقليل الوعي، بل في تنظيمه وضبطه، من خلال التمييز بين ما يمكن السيطرة عليه وما لا يمكن تغييره، والتوقف عن استهلاك الطاقة الذهنية في أمور لن تتبدل بكثرة التفكير. وبيّن أن الوعي نعمة حين يقود إلى الفهم والطمأنينة، لكنه قد يتحول إلى عبء حين يصبح اجتراراً مستمراً، مؤكداً على أنه بين التحليل المتزن والتفكير القهري خيط رفيع، ومن يتعلم ملاحظته يستطيع أن يستعيد هدوءه الداخلي وتوازنه النفسي.