"لا يزعج الناسَ الأشياءُ، بل تصوّراتُهم عن الأشياء" من عمق بساطة عبارة إبكتيتوس وتشكلاتها الممكنة يمكن أن نفهم كيف يتحول المستقبل – قبل أن يأتي – إلى ساحة قلق، وإلى محكمة مفتوحة نصدر فيها الأحكام على أحداث لم تقع بعد، وعليه فنحن لا نعاني من المستقبل ذاته، بل من تصوّراتنا عنه، حيث نحاكم أيامًا لم تولد، ونُدين ساعات لم تدقّ، ونبني مشاهد كاملة فوق أرضٍ لم تتشكل. محاكمة المستقبل قبل مجيئه ليست احتياطًا واعيًا بقدر ما هي توتّرٌ محموم متخيل، وأراها فعل ذهني يتجاوز حدود العقل العملي إلى نوعٍ من الإفراط في السيطرة أو ربما محاولة السيطرة، فالإنسان، بطبيعته، يميل إلى الإحاطة الكلية، وأن يرى الطريق كاملاً قبل أن يسلكه، فيضمن نهايته قبل أن يخطو بدايته. غير أن الحياة لا تُعطى دفعةً واحدة، بل تُعاش بالتتابع، لحظةً إثر لحظة. وعندما نصرّ على استدعاء الغد إلى طاولة اليوم، فإننا نُحمّل الحاضر ما لا يحتمل ونظلم الطاولة بتكديس ما لا نفع في شرحه ولا فائدة في نقاشه. الفارق الدقيق بين الحكمة والجنون يكمن في هذه المسافة، إذ الجنون أن تُعامل المستقبل كحقيقة منجزة، وأن تبني انفعالك على افتراضات لم تختبرها، في حين أن الحكمة أن تدرك أن الزمن ليس كتلة واحدة، وأن لكل لحظة قانونها، وإن مناقشة اليوم، وتحليل ساعته، والتعامل مع معطياته، هو فعل وعي، وإجراء ذلك على ما يحتضنه القابل جنون وظلم وبغي وبيع الحاضر بمستقبل لا تملك منه إلا اسمه. الفلسفة بطبيعتها المتسائلة، دعت إلى التمييز بين ما يقع تحت إرادتنا وما يقع خارجها، ولأن المستقبل احتمالاً مفتوحًا، فهو بالضرورة لا يخضع بالكامل لإرادتنا، بينما الحاضر – بما يحمله من قرار وفعل – هو المجال الحقيقي لتجلي الإرادة، وحين يختلط هذان المجالان، يتشوش الوعي، ويضيع الإنسان بين ما يستطيع تغييره وما لا يستطيع بلوغه فضلاً عن تمكن قدرته فيه وعدمها. محاكمة المستقبل تنبع غالبًا من خوفٍ مضمَر: خوف من الخسارة، أو من الفشل، أو من الألم، وهذا الخوف يُعيد تشكيل الصورة القادمة في هيئةٍ تهديد، فيعيش الإنسان تحت وطأة سيناريوهات يصوغها ذهنه، ويتفاعل معها كما لو كانت حدثاً قائماً، وهنا يتحول العقل من أداة تنظيم إلى مولّد قلق إضافي، ومن مساحة تحليل إلى مصنع افتراضات وللأسف في الغالب افتراضات سوداء قاتمة. الوعي العميق يُعيد ترتيب المشهد، بفهم الإنسان أن المستقبل مساحة احتمالات، وأن الاحتمال لا يحمل صفة اليقين، وإقرار السؤال الأكثر هدوءًا: ما الذي أستطيع فعله الآن؟ ما القرار الذي يخدم مساري في هذه اللحظة؟ بهذا التحول البسيط، ينتقل العقل من محاكمة الغيب إلى إدارة الحاضر. الزمن، في حقيقته، ليس عدوًا ينبغي استباقه، ولا خصمًا يستحق المواجهة قبل ظهوره، وكل محاولة للقبض عليه دفعة واحدة تنتهي بإرهاق الذهن دون جدوى، ولعلنا نستعيض عن الإدانة بالتخطيط المعقول. ختاماً... المستقبل سيأتي بطريقته الخاصة، سواء استدعينا مخاوفنا أم تركناها. رياض عبدالله الحريري