لم تكن حرب "الغضب الملحمي" التي انطلقت في الثامن والعشرين من فبراير 2026 مجرد حلقة جديدة في مسلسل الصراع الإقليمي، بل لعلّها شكلت "اللحظة صفر" لتحوّل استراتيجي عميق أعاد تشكيل قواعد الاشتباك في المنطقة. إذ منذ اللحظة الأولى، بدت العملية وكأنها ثمرة هندسة جيوسياسية كبرى أُعدت (بشكل مخطط) في دهاليز البنتاغون وهيئة الأركان الإسرائيلية، وقد تكون استندت إلى ترتيبات خلف الكواليس تمكنت من خلالها واشنطن من تحييد القوى الكبرى، وتحديدًا روسيا والصين، في مربعات الحياد الحذر، مما ترك إيران تواجه العاصفة دون السند الدولي الذي راهنت عليه ناهيك عن عجز الأذرع الإقليمية عن تلبية النداء. ولم يكن جوهر المفاجأة الاستراتيجية "عملياتيًّا" في القوة النارية، بل في توظيف تكتيك العمى الاستراتيجي "Strategic Blindness" كعقيدة مواجهة مبتكرة. وقد بدأ العد التنازلي للمواجهة مع "خداع" دبلوماسية المفاوضات على طاولات جنيف ومسقط. إذ بعد ساعات فقط من تصريح وزير الخارجية العماني عن اقتراب الأمل في الاتفاق، اخترق المهاجمون السيادة السيبرانية الإيرانية بشكل غير مسبوق لتنفيذ تكتيك "قطع الرأس" باغتيال المرشد وكبار القادة في وضح النهار. ولم يتم ذلك فقط بتعطيل الرادارات، بل بخلق واقع موازٍ داخل غرف القيادة والسيطرة، حيث كانت المنظومات الدفاعية الإيرانية ترى أهدافًا وهمية بينما كانت القاذفات المتطورة تخترق الأجواء بصمت. ولهذا كان الرد الإيراني الأولي بمثابة ملاكمة في الظلام، مما كشف عن هشاشة المنظومة الدفاعية أمام حرب تقنية هجينة تدمج بين السيبراني والعسكري. لكن الأعمق من ذلك هو ما يمكن تسميته "دبلوماسية النار"، حيث تعددت مستويات الأهداف بين المعلن والمضمر. فإلى جانب التدمير المباشر للترسانة الصاروخية والنووية، كان الهدف الخفي يتمثل في فرض "استسلام شامل" يعيد إيران إلى ما قبل عصر التوسع الإقليمي، عبر التبكير في تفكيك أدوات نفوذها التي بنتها على مدى عقود. ومن هنا، كانت جهود الأعوام الثلاثة الماضية في استهدف (بتر) "الارتباط العضوي" بين المركز في طهران والأطراف المتمثلة في الأذرع الإقليمية. ولهذا برزت المفارقة الاستراتيجية الأكثر إيلامًا في هذه الحرب والمتمثلة في أن إيران وجدت نفسها في دوامة "الغضب الملحمي" تواجه حربًا تقنية هجينة حولت عمقها الاستراتيجي العابر للحدود إلى عبء سياسي وأمني. فالأذرع التي كانت تمثل قوة ردع، أصبحت نقاط ضعف يمكن استهدافها وعزلها، مما جعل طهران تظهر في صورة من تخلّى عن مسؤولية حماية امتداداتها الإقليمية في وقت تتعرض فيه لضربات قاسية في العمق. وما زاد الطين بلة حجم الاختراق البشري الذي تكشف في الداخل الإيراني، فالمعلومات الاستخباراتية التي وجهت الضربات بدقة إلى مخازن الصواريخ في مخابئها الحصينة لم تكن كلّها مخرجات أقمار استشعار صناعية، بل كانت هناك ثمار "تآكل داخلي" في بنية الأجهزة الأمنية، حيث تمكنت "خلايا الظل" من التغلغل في مفاصل حساسة، وهي ترسل إحداثيات الموت من الداخل. وعلى صعيد إدارة المعركة، مثّل توظيف الذكاء الاصطناعي بهذا الاتساع للمرة الأولى نقلة نوعية. فقد سمح للمهاجمين بتوقع ردود الفعل الإيرانية قبل حدوثها، مما أحبط تهديدات استراتيجية مثل إغلاق مضيق هرمز، الذي تحول من ورقة ضغط عالمية مُفترضة إلى انتحار اقتصادي بالنسبة لإيران، بعد أن أمّنت الدول المتأثرة ممرات بديلة وضمانات دولية. الخلاصة؛ تواجه طهران حربًا لا قِبل لها بها إذ أصبحت الجغرافيا الإيرانية مختبرًا لحروب الجيل الخامس، التي تمزج بين العسكري والاقتصادي والسيبراني والإعلامي. ومما يُضاعف تكلفة الحرب ونتائجها على طهران هو توقيت عملية "الغضب الملحمي"، التي جاءت بعد أن احترقت معظم أوراق إيران. ففي السنوات الأخيرة بات واضحا أن علاقة طهران مع موسكو (أوكرانيا) وبكّين (الرياض) تحولت من شريك استراتيجي إلى عبء مكلف، ولهذا اكتفيا بالإدانة اللفظية دون دعم مؤثر. ومع الأذرع الإقليمية التي أُضعفت بات "محور المقاومة" في مواجهات غير متكافئة مع الداخل والخارج. أمّا الوضع أمام دول الخليج العربي فقد أحرقت طهران جسور التهدئة بضربات ومسيرات عبثية على مطارات ومنشآت مدنية، ولعلّ من إيجابيات ذلك أن وحّدت المواقف وأعادت تعريف الأعداء والخصوم عند أهل الخليج. * قال ومضى: من لا يعرف قيمة ما يملكه سيدفع الثمن ألمًا باهظًا عند فقدانه..