بين مركز بيانات في شمال فيرجينيا ومختبر شركة ناشئة في بنغالور، صراع خفي حول المستقبل. يخشى أحد الطرفين من سرعة التقدم التي قد تزعزع استقراره السياسي، والآخر يخشى من إقصائه. هذه هي مفارقة حوكمة الذكاء الاصطناعي، صراع بين الحماية والمشاركة، وبينهما ترسم ملامح هي المرحلة التالية من عدم المساواة العالمية. يتشكل حاليا صدع هادئ في حوكمة الذكاء الاصطناعي عالميا. لا يشكل الصدع قوى التجاذب السياسي بين الأقطاب، أو بين المتفائلين والمتشككين. إنما يشكل بين الذين يخشون مخاطر الذكاء الاصطناعي والذين يرغبون في الاستفادة منه. الذين يملكون التقنية مهمومون بمخاطرها، والذين يفقدونها مهمومون بامتلاكها. الاقتصادات المتقدمة تروج للحذر. فقد وضعت منظمة التعاون والتنمية مبادئ الذكاء الاصطناعي التي تركز على المساءلة وحقوق الإنسان. واعتمد الاتحاد الأوروبي قانونا شاملا مصمما لتقييد الاستخدامات الضارة للأنظمة عالية المخاطر. كما فرضت أمريكا ضوابط تصدير أشباه الموصلات المتقدمة، في إشارة إلى مخاطر الأمن القومي. فقد أكد مؤتمر القمة العالمية الأخير للذكاء الاصطناعي أهمية السلامة والمواءمة وأطر الحوكمة طويلة الأجل. مع ذلك، تستضيف هذه المناطق نفسها الغالبية العظمى من مختبرات الذكاء الاصطناعي والاستثمار الرأسمالي والبنية التحتية للحوسبة عالية الأداء. المفارقة أن الدول التي تحذر من المخاطر هي التي تولدها بالتقنيات التي تنتجها. من منظور الدول النامية، لا يمكن قبول هذه التحذيرات على ظاهرها. هل هذه دعوى للحوكمة المسؤولة أم شكل جديد من الهيمنة السوقية؟ عندما توضع شروط للامتثال ترتفع التكاليف على الشركات الصغيرة مما يعزز سيطرة الشركات المهيمنة. بداعي الامتثال، يقيد مثلا تداول الرقائق المتقدمة مما يحد من الوصول إلى البنية التحتية الحديثة. ربما حد ذلك من المخاطر، لكنه عزز الهيمنة التقنية. ما تدعو له الدول النامية في المقابل، هو حق الوصول. ينظر للذكاء الاصطناعي كمحرك تنموي لا مهدد وجودي كما يشيع في دول الشمال العالمي. بالنسبة للعديد من الحكومات في جميع أنحاء أفريقيا وجنوب آسيا وأجزاء من أمريكا اللاتينية، تتمثل الأولوية في بناء القدرات: الوصول إلى الحوسبة وتنمية المواهب والبنية التحتية للبيانات. يخلق عدم التماثل الهيكلي ارتباطا مزدوجا. إذا كثفت الاقتصادات المتقدمة التنظيم، فقد يتباطأ الابتكار وقد ترسخ أعباء الامتثال اللاعبين المهيمنين. إذا خففت الاقتصادات النامية من تنظيماتها، فقد تعرض نفسها لمخاطر لا تناسب مجتمعاتها. كلا التوجهين يؤدي إلى فجوة في تبني التقنية مؤديا إلى نوع من عدم المساواة. لمواجهة هذه التحديات نحن بحاجة لإطار أكثر توازنا يربط معايير السلامة بنقل القدرات، بإيجاد بنية تحتية مشتركة، وفتح التعاون البحثي ونشر التقنية الهادفة. بدون ذلك، يصبح نقاش حوكمة الذكاء الاصطناعي فصلا آخر في اتساع الهوة بين عالمين: عالم ينظم المستقبل، وعالم يستهلكه فقط.