أشار القرآن الكريم إلى هذا اللون من الصيام عند بني إسرائيل، وسوف نمر ببحث في شأنه عندما نطرق الحديث عنهم. غير أن ما نلفت النظر إليه هو وجود هذه الظاهرة قبل بني إسرائيل، وبين ديانات تنتشر في أقوام متحضرة، وعشائر بدائية على سواء، مما يدل على أصالة هذه الظاهرة، وعمق جذورها الإنسانية في الوجود حتى ليتعدى ذلك عصور التاريخ إلى ما وراءها من أزمنة. ولا تزال تلك الظاهرة في البدائيين إلى يومنا هذا، وقد مر بنا أن الكاهن -في هذه الأديان- يطلب منه الصمت في كل خلواته الكهنوتية، ولا يزال كاهن «البييلوس» كبيراً أو صغيراً يجلس صامتاً بغير حراك مدة صومه، وهي مدة تستغرق أكثر من صف عام في بعض أحوالها، وتقل حتى تكون أربعة أيام. وليس الصمت خاصاً بالكهنة كباراً وصغاراً، فإنه مطلوب -أيضاً- من أفراد العشيرة -في ظروف خاصة- منها الموت، فيتحتم على المرأة أو الرجل عند موت معين التزامه، وتعتاد طائفة «البيبلوس» أن تنهي حدادها على الموتى بعد أربعة أيام يخشون خلالها على الحي أن يصيبه الحزن بسوء، فيعتزل الحياة المعتادة -هذه المدة- ويظل صامتاً، ويمتنع على الناس مخاطبته. وإذا توفي زوج المرأة فعليها أن تمكث عاماً صامتة، وتنتشر هذه العادة في العشائر البدائية بأستراليا، واتخذ الصمت والصيام عن الطعام والشراب -معاً- «عقوبة» فرض على القاتل توقعها «البيبلوس» عليه، فتحكم عليه بعزلة تامة يجلس فيها بغير حراك، صامتاً ممنوعاً من الطعام والشراب مدة العقوبة، فهم لا يدينون القاتل بقتله، وإنما بهذا الجزاء الذي يستطيع بعده أن ينتسب إلى طائفة الحرب التابعة للقبيلة. الصيام من البداية حتى الإسلام - د. علي الخَطيب – المكتبة العصرية*