رأينا كيف يرتبط الصوم بين العشائر البدائية بدوافع ضرورية لجماعتها كصومها من أجل الحصول على المطر، أو بدوافع المتعبد لغير المطر مما افترض عليها، أو بأوضاع فردية ذات ظروف خاصة. ومر بنا أن بعض ألوانه لا يتم كماله الديني -عندهم- إلا إذا جلس الفرد له بغير حراك، أو اعتزل الناس في بيته، وفي هذا أو ذاك كف تام عن العمل. وكثيراً ما يقترن الكف عن العمل بالصمت، ويتخطى الأمر في ذلك الكاهن إلى غيره من عامة الأفراد كالذين يصابون بوفاة ذوي قرابتهم.. وبعد: فمما تقدم نعلم أن أولئك البدائيين يكثرون من الإقبال على الصيام ويحرصون عليه. وأن شرائعهم الساذجة رسمت فلسفتها شعيرة الصيام ألواناً وفنوناً، فكفته كفاً عن الطعام والشراب والجنس، مضافاً إليه الصمت، وترك العمل أحياناً. وإذا علمنا أن بعض هذه القبائل البدائية قد جمدت عند مرحلة حضارية معينة أمكننا أن نقول: إن ميراثها هذا في الصوم بألوانه يرجع إلى أقدم العصور. صيام من البداية حتى الإسلام - د. علي الخَطيب – المكتب العصرية*