تُعدُّ السياسة الوطنية للغة العربية التي أقرها مجلس الوزراء امتداداً للاهتمام التاريخي الذي نص عليه النظام الأساسي للحكم، وتأكيداً على أن اللغة ركيزة أساسية للسيادة الوطنية والأمن الثقافي، بما يعزز ريادة المملكة بوصفها المرجعية العالمية والموطن الأول للعربية، وترسيخاً للفاعلية الحضارية والتنموية للغة في مختلف المجالات، باعتبارها مكوناً رئيساً وركيزة أساسية من ركائز الهوية الوطنية السعودية، ما يحول الإلزام بها إلى واجب سيادي يضمن بقاء اللسان واستقلالية الإنسان. ويبرزُ الدور الجوهري والرئيس للمملكة في الحفاظ على الثقافة والهوية العربيتين والإسلاميتين، ومركزيتيهما العالميتين، من خلال تجسيد هذه المبادئ في المشروعات الوطنية الكبرى مثل الدرعية، والعلا، التي جعلت من الهوية والأصل منطلقاً وجوهراً لصياغة مستقبل يستوعب أرقى وأحدث المعايير العالمية، مبرهنةً على أن الحداثة لا تقتضي التخلي عن الأصول والجذور، وإنما يجب أن تُبنى على استنطاق التراث وإعادة تقديمه برؤية تواكب العصر، تأكيداً على أن التمسك بالأصل هو المحرك الحقيقي للتطور، والسبيل الأمثل لفرض الحضور العالمي في طريق التقدم دون أي تفريط في المكتسبات التاريخية. ويمتدُّ هذا المفهوم السيادي للغة ليشمل الأمن الثقافي الرقمي، حيث يمثل حضور اللغة العربية في الفضاء الرقمي والذكاء الاصطناعي خط الدفاع الأول ضد التضليل والتنميط الثقافي، فامتلاك اللغة هو امتلاك للرواية والسردية، وعلى الصعيد الاستثماري فإن الاستثمار في اللغة يتجاوز مستوى الحراك الثقافي ليصبح أيضاً ميزة تنافسية اقتصادية تزيد من "جاذبية المكان" عبر تقديم الخدمات والمنتجات بلغة وهوية سعودية أصيلة، مما يفتح آفاقاً للاستثمار اللغوي الذي يدمج بين المردود المادي والاعتزاز بالأصالة، ويجعل من مفرداتنا وتراثنا مادةً متجددة للإبداع والابتكار. ولعل في هذا الحراك الوطني الشامل وما حققه أنموذج نجاح الهوية في المشاريع الكبرى إشارة واضحة لإعادة التفكير في الممارسات الفردية التي تسللت إلى البيئة المؤسسية في قطاعات حيوية مثل "الموارد البشرية" و"الاتصال المؤسسي" التي تشهد اندفاعاً نحو استقطاب نظريات، ومفردات، وقوالب جاهزة دون مراعاة لخصائص البيئة المحلية، واستنساخ نماذج إدارية وفكرية صُممت لثقافات وبيئات مغايرة، دون أدنى مواءمة أو مراجعة، ما يمثل تبعية فكرية تشوه المشهد المؤسسي، ولذا يجب على كل مسؤول أو ممارس أن يعي الأبعاد العميقة للممارسات التي يتبناها، وأن يجعل من المقومات الوطنية مقياسه الأول، ليبقى العالم مورداً للأدوات، مع الاحتفاظ بحق السيادة الكامل في اختيار ما يتناسب ويخدم هويتنا السعودية.