مثَّلت الدولة السعودية الأولى (1139 - 1233ه / 1727 - 1818م) بداية تأسيس حقيقي في قلب شبه الجزيرة العربية، إذ تمكَّن الإمام محمد بن سعود من خلال قيادته الرشيدة وانطلاقًا من الدرعية، من توحيد مناطق واسعة تحت سلطة مركزية موحدة، وترسيخ حكم منضبط أرسى فيها قواعد الاستقرار بعد فترات طويلة من النزاع المحلي والتفكك، وقد عرفت تلك المرحلة بروز كيان سياسي واعٍ، أدرك أهمية بناء دولة تقوم على التنظيم الإداري والمالي، وحفظ الأمن، وتأمين طرق التجارة والحج، فتمكن من وضع حجر الأساس لمجد ممتد تتواصل آثاره إلى اليوم. الانفتاح على القوى المحيطة امتدت الدولة السعودية الأولى من قلب نجد إلى أطراف الخليج العربي شرقًا، والبحر الأحمر غربًا ومن جنوب الجزيرة إلى حدود بلاد الشام شمالًا، ما أتاح لها فرصًا واسعة لبناء شبكة علاقات خارجية مع القوى الإقليمية والدولية، على الصعيد السياسي، وقد نسجت الدولة علاقات مباشرة مع قوى بارزة مثل بريطانياوفرنسا، كما تعاملت بمرونة مع دول الخليج، كعمان، البحرين، الكويت، سعيًا لحماية مصالحها وتعزيز موقعها الإقليمي دون الرضوخ لأي طرف خارجي. تنظيم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار أمَّا على الصعيد الاقتصادي، فقد نشَّطت الدولة الحركة التجارية، حيث أدرك الإمام محمد بن سعود أهمية الاستقرار المالي في ترسيخ أركان الدولة، فعمل على تنظيم الأسواق، وتشجيع التجارة، وتحسين إدارة الموارد، وحرص على تأمين طرق القوافل التجارية بعقد اتفاقيات مع القبائل لضمان سلامتها، ما عزز الحركة الاقتصادية داخل أراضي الدولة، كما وضع نظامًا ماليًا يتضمن ميزانية تنظم الإيرادات والمصروفات، وساهم في تنويع مصادر الدخل عبر دعم التجارة واستثمار المحاصيل، وقد أدى ذلك إلى تحسين المعيشة وزيادة الموارد، وتعزيز القوة الاقتصادية والإدارية للدولة. مشروع سيادي ذو رؤية لم تكن الدولة السعودية الأولى كيانًا محليًا فحسب، بل كان مشروعًا سياسيًا نهضويًا، تعامل مع المتغيرات الإقليمية والدولية بذكاء واقعي، وأدار العلاقات الخارجية من منطلق المساواة، رافضًا التدخل الخارجي، وساعيًا لتعزيز سيادته والانفتاح الواعي على المصالح المشتركة. امتداد الإرث إلى الحاضر واليوم، في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو لي عهده الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- نجد صدى ذلك التأسيس التاريخي في الرؤية الحديثة للمملكة العربية السعودية التي تقوم على تمكين الداخل، وتعزيز السيادة، وبناء اقتصاد متنوع، والانفتاح الثقافي المدروس، وترسيخ مكانة المملكة عالميًا من خلال رؤية 2030، التي تواصل ما بدأه الإمام المؤسس، من مشروع سياسي وطني شامل ومتجدد. العلاقات مع دول الخليج (الكويت، البحرين، عمان، القواسم) شهدت منطقة الخليج العربي في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر ميلادي تحولات مهمة ترافقت مع اتساع نفوذ الدولة السعودية الأولى نحو شرق شبه الجزيرة العربية، وقد شملت هذه العلاقة كلًا من الكويت، البحرين، سلطنة عمان، والقواسم في رأس الخيمة، حيث تداخلت المصالح السياسية والتجارية والأمنية في إطار التفاهم والتنافس المرحلي. الكويت بين التبعية والاستقلال * الكويت: في عام 1803م، كانت الكويت تتبع في توجهها العام مركز الحكم في نجد، وقد شاركت في إحدى الحملات المشتركة مع الدولة السعودية الأولى باتجاه مسقط، كما ورد أنَّ شيخ الكويت عام 1805م أعلن انتماءه السياسي لنفوذ الدولة السعودية الأولى، ما يدل على نوع من التبعية الإدارية أو التنسيق المباشر معها، ولكن مع مرور الوقت، وتحديدًا بعد عام 1808م بدأت الكويت في اتباع نهج سياسي أكثر استقلالية، ما دفع ذلك إلى توتر العلاقات بين الدولة السعودية الأولى والكويت ورغم هذا التوتر المؤقت، استمرت العلاقة بين الطرفين في إطار الاحترام والتبادل دون صدام طويل المدى. دعم البحرين وتثبيت الحكم o البحرين: بدأت الدولة السعودية الأولى علاقاتها مع منطقة البحرين نتيجة للصراعات في الخليج، خاصة بعد نزاع حكام عمان من أسرة آل خليفة، حيث طلب الشيخ سلمان بن أحمد عام 1800م دعم الدولة السعودية الأولى لاستعادة حكمه في البحرين، وقد استجابت قيادة آل سعود في الدرعية لهذا الطلب، وتم تثبيت حكم آل خليفة في البحرين بدعم مباشر من الدولة السعودية الأولى، ومنذ ذلك الحين دخلت البحرين في دائرة نفوذ الدولة السعودية حتى بداية التدخلات الخارجية لاحقًا. عمان بين التنافس والتفاهم o عُمان: برزت عمان كأحد أبرز مراكز التفاعل الإقليمي في الخليج العربي خلال أواخر الثامن عشر ميلادي، واتخذت العلاقة بين الدولة السعودية الأولى عمان طابعًا يجمع بين المنافسة العسكرية والتواصل السياسي، تبعًا لاختلاف مراكز القوى والمصالح في تلك الفترة. في بداية الأمر، توسَّعت قوات الدولة السعودية في مناطق الساحل الشمالي لعمان، ومنطقة الظاهرة، ومنطقة جعلان حوالي عام 1811م، وتعتبر تلك المناطق ذات أهمية استراتيجية تطل على الطرق البحرية وتضم قبائل ذات ثقل سياسي مقل قبيلة النعيم وبني كعب، وقد واجهت هذه التحركات مقاومة شديدة من قبل دولة آل بوسعيد الحاكمة في مسقط، والتي كانت تسعى بدورها إلى تثبيت نفوذها على كامل الإقليم العماني. ومع ذلك، لم تخلُ العلاقة من جوانب من التنسيق المؤقت، خاصة أنَّ بعض القوى المحلية العمانية كانت ترى في الدولة السعودية الأولى قوة ضابطة لموازين القوة الإقليمية، حيث نجت الدولة السعودية في تعزيز حضورها في بعض الأقاليم الحدودية، وإقامة صلات مع قيادات محلية، مما أعطاها موطئ قدم في العمق العماني. وبهذا، تظهر العلاقة بين الدولة السعودية الأولى وعمان حالة من التوازن الإقليمي القائم على التنافس والحذر والتفاهم المؤقت، حيث حرص الطرفان على حماية مصالحهما دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، رغم بعض التوترات الحدودية. تحالف القواسم والنفوذ البحري القواسم (رأس الخيمة والشارقة حاليًا) تميزت العلاقة بين الدولة السعودية الأولى والقواسم، الذين كان مركزهم الرئيس في رأس الخيمة وساحل الخليج، بأنها واحدة من أكثر العلاقات تماسكًا وتنسيقًا خلال تلك الفترة، خصوصًا في الجوانب البحرية، وقد برز تحالف واضح بين الطرفين منذ عام 1799م، حيث اعتبر القواسم وجود الدولة السعودية الأولى في المناطق الداخلية داعمًا سياسيًا واستراتيجيًا لنفوذهم البحري، وقد أدَّى هذا التحالف إلى تعزيز الهيمنة المشتركة على أجزاء واسعة من ساحل عمان، وموانئ الخليج، مما أوجد توازنًا جديدًا في موازين القوى في المنطقة. شهدت تلك المرحلة نشاطًا بحريًا متصاعدًا من قبل القواسم، شمل اعتراض السفن التابعة لبعض القوى الإقليمية والأجنبية، وهو ما أدَّى إلى تصاعد التوتر مع بريطانيا، التي رأت في تحركات القواسم تهديدًا مباشرًا لمصالحها التجارية في الساحل الخليجي وخطوط إمدادها إلى الهند، ورغم هذا التوتر كانت الدولة السعودية الأولى حريصة على عدم الانزلاق إلى صدام مباشر مع بريطانيا، حيث أرسلت تطمينات تؤكد عدم تدخلها في النزاعات البحرية المباشرة، وأنَّ اهتمامها ينصب على استقرار الداخل. وفي المقابل، حاولت بريطانيا التعامل مع القواسم باعتبارهم كيانًا مستقلًا عن الدولة السعودية، لتفادي مواجهة مفتوحة مع الدرعية، مما أدرك الإمام سعود بن عبدالعزيز أهمية هذه المعادلة، فأوصى أتباعه بعدم التعرض للسفن البريطانية، في محاولة للحفاظ على علاقات متوازنة بين القوى الأجنبية، مع استمرار دعمه لحلفائه القواسم في رأس الخيمة. ومع الضغوط المتزايدة من بريطانيا على القواسم، وتعرضهم لهجمات عسكرية مباشرة، بدأت تظهر فجوة التحالف البحري، وبرزت الحاجة لدى الدولة السعودية لإعادة النظر في أنماط التعاون لتجنب مواجهة غير محسوبة، وقد أدت هذه التطورات إلى تراجع نشاط القواسم مؤقتًا، فيما بقيت الروابط السياسية بينها وبين الدولة السعودية الأولى حتى سقوطها عام 1818م. التداخل السياسي مع العراق * العراق: شهدت العلاقة بين الدولة السعودية الأولى ومنطقة العراق خلال أواخر القرن الثامن عشر ميلادي قدرًا كبيرًا من التداخل السياسي والقبلي والتجاري، نظرًا لطبيعة الجوار الجغرافي وتشابك المصالح بين الجانبين، وقد بدأت بوادر الاتصال غير المباشر بين الطرفين منذ عام 1787م، حين شاركت قبيلة المنتفق في جنوبالعراق في تحركات ضد زعامات في منطقة الأحساء، ما أوجد احتكاكًا سياسيًا نتيجة للتحالفات القبلية، وفي العام ذاته توجه ثويني بن عبدالله، زعيم المنتفق، نحو منطقة بريدة في نجد، وحاصرها لفترة قصيرة، لكنه عاد سريعًا إلى العراق بعد التغيرات الداخلية في البصرةوبغداد. استمرت التوترات خلال الأعوام التالية، حيث توغلت القوات السعودية إلى مناطق الزبير والبصرة عام 1802م، ثم وصلت إلى محيط النجف والسماوة في عام 1805م، مما زاد من حالة القلق لدى السلطات العثمانية في منطقة بغداد، وقد اضطرت بعض القبائل القريبة من الحدود، خاصة غرب نهر الفرات إلى الدخول في تفاهمات مالية مع الدولة السعودية الأولى، مثل دفع الزكاة، تجنبًا للاصطدام المباشر، ولكن مع بداية الحملة العثمانية بقيادة محمد علي باشا من مصر عام 1811م، بدأت الدولة السعودية الأولى تعيد ترتيب أولوياتها العسكرية، مما أدى إلى تراجع عملياتها شمالًا، وفتور العلاقة مع العراق في سنوات الدولة السعودية الأخيرة. الامتداد السياسي حول الشام * الشام: امتد تأثير الدولة السعودية الأولى، إلى مناطق شمال شبه الجزيرة العربية ووصل إلى أطراف بلاد الشام نتيجة لطبيعة القبائل البدوية المتنقلة التي لم تكن تعرف حدودًا سياسية صارمة بين المناطق، بل تنقلت حيث المراعي ومصادر المياه. تعود أولى الإشارات إلى تحرك القوات السعودية نحو الشمال سنة 1797م، عندما قاد حجيلان بن حمد حملة باتجاه قبيلة الشرارات، ومع اتساع نفوذ الدولة السعودية في شرق شبه الجزيرة العربية والعراق، بدأت بعض القبائل الواقعة إداريًا ضمن نطاق باشوية الشام العثمانية في دفع الزكاة والضرائب إلى القيادة في الدرعية، وذلك كنوع من تجنب الاصطدام العسكري ولغياب الحماية الفعلية من الولاة العثمانيين في تلك المناطق. بلغت العلاقة ذروتها من التوتر في عام 1806م، عندما منع الإمام سعود بن عبدالعزيز والي دمشق العثماني آنذاك عبدالله العظم، من إكمال طريقه إلى مكةالمكرمة، وذلك في موسم الحج، خشيةً من أن يشكل وجوده عنصرًا داعمًا لبعض القوى المعادية للحكم السعودي في الحجاز، وقد عاد والي الشام إلى بلاده دون أداء الحج، في حادثة اعتبرتها الدولة العثمانية موقفًا محرجًا لواليها، فعزلته عينت بدلًا عنه يوسف كنج، الذي بدوره لم يتخذ خطوات عسكرية فعَّالة اتجاه الدولة السعودية رغم التوجيهات المتكررة من إسطنبول. في عام 1810م، قاد الإمام سعود حملة نحو شمال شبه الجزيرة العربية، وتوغلت قواته في مناطق سهل حوران والكرك، كما وصلت تحركاته إلى مشارف غور الأردن، هذه التحركات أظهرت القدرة العسكرية والتنظيمية للدولة السعودية، وأثارت قلق الإدارة العثمانية في الشام، التي ردت لاحقًا بتغيير الوالي مرة أخرى. ورغم أنَّ الدولة السعودية لم تضم أي أراضٍ من بلاد الشام إلى سلطتها، فإنها فرضت نفوذًا معنويًا وسياسيًا على بعض القبائل الممتدة في تلك المناطق، من خلال علاقات غير مباشرة ظهرت في التزامات مالية أو مواقف محايدة لصالح الدرعية، ومن الشواهد على ذلك أنَّ بعض القبائل القريبة من مدينة حلب كانت تدفع الزكاة لقادة الدولة السعودية الأولى خلال تلك المرحلة، وهو ما يظهر نوعًا من الاعتراف العملي بنفوذها في محيط لم يكن تابعًا رسميًا لها. العلاقات مع القوى الدولية علاقة الدولة السعودية الأولى مع القوى الدولية خارج شبه الجزيرة العربية: التواصل مع فرنسا الأوروبية * فرنسا: رغم بعد المسافة الجغرافية بين الدولة السعودية الأولى وفرنسا، إلا أنَّ المرحلة التي تزامنت مع توسع نفوذ الدولة السعودية الأولى في شبه الجزيرة العربية، شهدت إشارات إلى تواصل غير مباشر بين الطرفين، وذلك في سياق التنافس الإقليمي والدولي الذي كان يطبع أوائل القرن التاسع عشر ميلادي، خصوصًا بعد دخول فرنسا بقيادة نابوليون بونابرت إلى مصر عام 1798م. يشير المؤرخ الفرنسي جان جاك بيرني في كتابه جزيرة العرب إلى أنَّ الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، مؤسس المملكة العربية السعودية الحديثة، أكَّد في عدد من المناسبات وجود مراسلات بين جده الإمام سعود بن عبدالعزيز ونابوليون الأول، خلال الحملة الفرنسية على مصر. كم يذكر بنوا ميشان في كتابه عن ابن سعود أنَّ بعثة فرنسية برئاسة لاسكاري أُرسلت من قبل نابوليون إلى الإمام سعود عام 1801م، في محاولة فرنسية لفتح قناة تواصل مع قوة إقليمية كانت آنذاك في أوج توسعها في الجزيرة العربية والخليج، وتدل هذه الخطوة الفرنسية على أنَّ باريس كانت تسعى لإيجاد موطئ قدم دبلوماسي لها في منطقة شبه الجزيرة العربية، مستفيدة من نفوذ الدولة السعودية الأولى في وقت كانت فيه المنافسة بينها وبين الدولة العثمانية على أشدها، خصوصًا في العراق وسوريا ومصر. ورغم محدودية هذه العلاقة زمنيًا، إلا أنَّها تشير إلى أنَّ الدولة السعودية الأولى كانت محط اهتمام قوى أوروبية كبرى، وهو ما يعكس وزنها السياسي المتزايد في تلك المرحلة، وقدرتها على فرض نفسها كطرف يحسب له حساب في المعادلات الإقليمية والدولية. بريطانيا وموازين القوة * بريطانيا: برزت بريطانيا بوصفها الدولة الأوروبية الأكثر تأثرًا في محيط الخليج العربي، نظرًا لما تمثله مياه الخليج العربي من أهمية استراتيجية للمصالح البريطانية، وخاصة فيما يتعلق بأمن الطريق البحري نحو الهند، للوصول لمستعمرتها آنذاك. الدرعية تعيد صياغة توازنات الجزيرة العربية وقد تزامن بروز الدولة السعودية الأولى كقوة صاعدة في شرق شبه الجزيرة العربية مع احتدام التنافس البريطاني-الفرنسي في منطقة الخليج، لاسيما في سلطنة عمان، فحين بدأت القوات السعودية التقدم نحو السواحل العمانية، سارع سلطان مسقط إلى توقيع اتفاقية مع بريطانيا سنة 1798م، أكَّدت لاحقًا في عام 1800م، كخطوة وصفت بأنها ذات طابع وقائي ضد أي توسع سعودي محتمل، على الرغم من أنَّ بنود المعاهدة كانت تشير إلى مسألة التنافس الأوروبي أكثر من التصدي المباشر للنفوذ السعودي. من الداخل الموحد إلى الانفتاح على القوى المحيطة كما لعب انضمام القواسم إلى الدولة السعودية عام 1799م دورًا مهمًا في إثارة المخاوف البريطانية، خاصة بعد تصاعد نشاطهم البحري في الخليج، والذي شمل بعض الحالات سفنًا عمانية وبريطانية على حد سواء وقد أدَّى ذلك إلى شن بريطانيا هجومًا على رأس الخيمة عام 1805م، أسفر لاحقًا عن اتفاق يقضي بعدم الاعتداء المتبادل بين القواسم والبريطانيين، ورغم هذه المواجهات مع القواسم، حرصت بريطانيا على تجنب التصعيد المباشر مع الدولة السعودية الأولى، فبعد هجماتها، أرسلت حكومة الهند البريطانية رسائل إلى الإمام سعود بن عبدالعزيز تؤكد فيها رغبتها في استمرار العلاقات الطيبة، وهو ما قوبل برد إيجابي من الإمام سعود، الذي أوضح أنَّه أصدر أوامره لأتباعه بعدم التعرض للسفن البريطانية. هذا التفاهم الضمني بين الطرفين، رغم التوترات القائمة، يشير إلى إدراك متبادل لنقاط القوة والحدود، فقد كانت بريطانيا تدرك اتساع سيطرة السعوديين على الداخل، بينما كان قادة الدولة السعودية يدرك تفوق بريطانيا في البحر، لذا سعى كل طرف لإدارة الخلاف دون الانزلاق إلى صدام مفتوح. بناء شبكة علاقات متوازنة مثَّلت الدولة السعودية الأولى تحولًا استراتيجيًا في تاريخ المنطقة، وقدرتها على بناء شبكة من العلاقات الإقليمية والدولية المتزنة، التي تجاوزت حدود نجد لتصل إلى الخليج، والعراق، والشام، وحتى القوى الأوروبية الكبرى مثل فرنساوبريطانيا، وقد أظهرت تلك الدولة وعيًا مبكرًا بأهمية الدبلوماسية، والموازنة بين السيادة الوطنية والتعامل الذكي مع القوى المحيطة، فقد تعاملت القيادة السعودية آنذاك بمرونة سياسية وحنكة واقعية، مكَّنتها من ترسيخ نفوذها دون الدخول في تحالفات تضعف استقلال قرارها، فحافظت على العمق الداخلي للدولة، وفتحت مجال أمام علاقات متقدمة مقارنة بظروف ذلك العصر. وما نراه اليوم من حضور سياسي واقتصادي وثقافي للمملكة العربية السعودية في الساحة الدولية امتدادً لتاريخ طويل من بناء الدولة وسيادتها، وفرض النظام، والرؤية الواضحة للمستقبل فالأسس التي وضعتها الدولة السعودية الأولى لا تزال تلهم الحاضر، وتُشكِّل خلفية استراتيجية للمواقف السعودية في القرن الحادي والعشرين ميلادي، في ظل قيادة تواصل مشروع الدولة بعزم ورؤية متجددة. خريطة الدولة السعودية الأولى قصر السلوى قصر الحكم أنشئ في عهد الإمام عبدالعزيز بن محمد