في تاريخ الأمم لحظات صامتة تختبئ في الهامش وتنتظر من يعيد إنصاتها إلى المتن، لحظات لا تحفظها السجلات الرسمية وحدها، بل تصونها الذاكرة الخاصة التي تقيم في المكتبات العائلية والمخطوطات المكنونة في البيوت والصدور. وفي التاريخ السعودي على وجه الخصوص، تبدو هذه الذاكرة الخاصة أكثر عمقاً من كونها مجرد أوراق محفوظة، فهي تمثل وعياً مبكراً تشكل في سياق اجتماعي وديني وسياسي متماسك، وعبر عن نفسه بلغته الخاصة ومصطلحاته ورموزه، قبل أن تستقر التسميات الرسمية وتستكمل الدولة الحديثة ملامحها المؤسسية. إن البحث في هذه المصادر غير المتداولة يكشف عن طبقات من التاريخ لم تكتب بعين السلطة وحدها، بل دونت بيد المجتمع ذاته، في لحظة وعي بالانتماء والقيادة والكيان. تأتي المكتبات النجدية الخاصة في طليعة هذه الشواهد، بوصفها خزائن غير معلنة لتاريخ محلي بالغ الدلالة. فهي لم تكن مجرد فضاءات للعلم، بل ساحات حفظ للوثيقة، وحواضن لمراسلات الدولة، ومرايا تعكس طبيعة العلاقة بين القيادة والمجتمع. ومن بين هذه المكتبات النادرة تبرز مكتبة الشيخ العالم حمد بن فارس، التي تمثل نموذجاً فريداً لتداخل الدور العلمي والإداري في زمن تشكل الدولة السعودية بمراحلها المختلفة. لقد أسهم موقع الشيخ ومسؤوليته في بيت المال ورعايته لطلاب العلم في جعله حلقة وصل بين المؤلفين والعلماء من جهة، وقيادة آل سعود من جهة أخرى، فغدت مكتبته مساحة تتقاطع فيها المعرفة مع السياسة، والتدوين مع الذاكرة الجمعية. الإشارة لمسمى الطائفة السعودية في أقدم المخطوطات المحلية والتي تعود إلى زمن الدولة السعودية الأولى مخطوطة بقلم مؤرخ نجد الشيخ حمد بن لعبون (ت 1256ه) ويشير فيها إلى لفظ الدولة السعودية الحنفية