الجماليات في الفلسفة والعلوم الإنسانية هي الحقل الذي يدرس طبيعة الجمال، والخبرة الجمالية، والفن، والذوق، ومعايير الحكم على الأعمال الفنية والظواهر الحسية. السؤال الأساسي في الجماليات هو: ما الذي يجعل شيئاً ما جميلاً أو فنياً، وكيف يتشكل حكمنا عليه؟ والجماليات في الدراسات الإعلامية هي حقل علمي يدرس إنتاج المعنى عبر الشكل المقروء والمسموع والمرئي، هذا الحقل ينطلق من مبدأ أن الصورة، والإضاءة، وحركة الكاميرا، والمونتاج، والصوت، وتصميم الشاشة هي مكونات جمالية تؤثر في الإدراك، والانفعال، والتفسير. يقول الباحث الأميركي هيربرت زيتل أن الوسائط السمعية البصرية لا تنقل الواقع، بل تعيد تشكيله عبر تنظيم عناصر الرؤية والسمع والحركة. لذلك، فإن فهم الصورة التلفزيونية أو السينمائية لا يتوقف عند المحتوى فقط، بل يتطلب فهماً لبنيتها الإدراكية والحسية، ينطلق زيتل من مبدأ أن المعنى في الوسائط المرئية يتولد من تنظيم (المجال البصري) وهو المساحة التي تظهر داخلها العناصر من حيث الخط، والكتلة، واللون، والعمق، والتوازن. ويرى أن الإضاءة ليست مجرد وسيلة إظهار، بل أداة تشكيل درامي تؤثر في المزاج والانتباه. كما يعالج الزمن بوصفه عنصراً جمالياً، مبيناً أن الإيقاع، وطول اللقطة، وتسلسل المشاهد، تخلق إحساساً معيناً بالتوتر أو السكون. وبخصوص الصوت، هناك فرق بين الصوت بوصفه معلومة، والصوت بوصفه طاقة جمالية. يوضح زيتل أن النبرة، والشدة، والصمت، والموسيقى، تشكل بنية إدراكية موازية للصورة، وأن التفاعل بين السمعي والبصري ينتج تجربة حسية موحدة لا يمكن تحليلها كل على حدة. تنطبق مبادئ جماليات الإعلام على مختلف أنواع المحتوى الإعلامي، حيث إن جميعها تعتمد على تنظيم منضبط لعناصر الصوت والصورة والحركة لإنتاج معنى محدد، ففي السينما يتجلى ذلك في التكوين البصري، وحركة الكاميرا، والإيقاع الزمني الذي يصوغ التجربة الدرامية، وفي التلفزيون، يتكرر المبدأ ذاته لكن ضمن إيقاع أسرع وبنية إنتاجية مختلفة، حيث يؤثر حجم الشاشة وطبيعة المشاهدة المنزلية في اختيار اللقطات والإضاءة، وفي الإعلانات التجارية تتكثف هذه المبادئ بصورة أوضح، إذ يوظف اللون، والإيقاع، والموسيقى، وحركة الصورة، لإنتاج استجابة عاطفية سريعة تقود إلى الإقناع. وفي عصر الاتصال الرقمي، تطورت مبادى جماليات الإعلام خاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، ففي انستغرام، مثلاً، خاصة في مرحلته الأولى، كانت الجماليات تقوم على الصورة الثابتة المربعة، والفلترات اللونية، وتناسق الشبكة البصرية للحساب. وكان التنظيم الجمالي يعتمد على التكوين، واللون، والتناظر داخل الإطار، بما يعزز هوية بصرية متماسكة. ومع إدخال خاصية القصص ثم مقاطع الفيديو القصيرة، انتقلت الجمالية إلى الفيديو العمودي السريع، وأصبح الإيقاع، والنصوص المتحركة، والموسيقى القصيرة عناصر أساسية في جذب الانتباه. أما تيك توك فهو قائم منذ البداية على الفيديو العمودي، وعلى التمرير اللانهائي. هنا لا تعمل الجماليات فقط داخل الفيديو، بل في بنية المنصة ذاتها، خاصية التفاعل في صفحة المستخدم تقدم المحتوى في ترتيب متدفق مستمر، مما يخلق إحساساً زمنياً متقطعاً وسريعاً. الإيقاع، والمونتاج السريع، والمؤثرات البصرية، والانتقال المفاجئ بين المقاطع، كلها تنتج طاقة جمالية وإدراكية عالية تحافظ على الانتباه. ختاماً، يعكس تطور جماليات الإعلام مساراً تدريجياً انتقل من تحليل الصوت والصورة داخل إطار سينمائي أو تلفزيوني منضبط، إلى فهم الوسيط بوصفه بيئة إدراكية كاملة، اتسع المفهوم في العصر الرقمي ليشمل تصميم الواجهة، وإيقاع التمرير، وبنية التفاعل، حيث لم يعد المعنى ينتج من داخل الإطار فقط، بل من هندسة المنصة ذاتها. هكذا تحولت الجماليات من دراسة تنظيم المشهد إلى دراسة تنظيم الانتباه والتفاعل داخل بيئات تفاعلية وسريعة الإيقاع.