يُعرّف مفهوم "البارادايم" عند توماس كون، أو يستعمله بعضهم، ويحيل إليه؛ وكأنه واضح لا لبس فيه. ومن أبجديات الدراسات المعتمدة على بعض المفاهيم أن تدرسها فحصاً لتاريخها، من جذورها فنشأتها فأطوارها حتى آثارها وامتداداتها. وهذا ما حصل لمفهوم "البرادايم"؛ الذي يؤكّد د. مخوخ عدم تحديد "كون" له بدقّة، وأنّه مرّ بلحظتين عنده، فضلاً عن انتقاله لعدّة سمات وتجاذبات في النقاش العلمي من قِبل عدد من المفكرين والعلماء. وهذه إشكالية ضرورية تظهر بعض معالم تقلباته: من الغموض، فالتصحيح، فالتجاذبات، فالانتقادات، فالإبطالات. وفيما يلي إيجاز لأهم هذه النقاط، وفق بحث د. مخوخ النفيس، بعنوان "تصوّر طومس كون لتقدّم المعرفة العلمية"، وهو إيجاز تقريبي بأسلوب يناسب القارئ (وتفاصيله مهمة للغاية لمن رام فهم النظرية أو بحثها أو تطبيقها). وقد شاعت خطاطة مفهوم "البارادايم" عند كون كالتالي: ما قبل العلم، فالبارادايم، فالعلم العادي، فالعلم الخارق [الأزمة]، فالثورة، فبردايم جديد. وهي خطاطة تجريدية لحفظ الترتيب، بعد دراسة وتمييز دلالة كل مفهوم، وعلاقته بسابقه أو لاحقه. وأهم ما فيها مفهوم "البارادايم"؛ الغامض عند صاحبه، ومر بلحظتين إظهار فتصحيح بعد النقد، ففي البداية تقديمه بغموض، يمكن أن يُدرك مراده من خلال سمات عامة (الشكل، المضمون، الوظيفة، القيمة)، وتفصيلها: "شكله الكتابيّ"؛ فشكل النظريات منذ القرن التاسع عشر في مقالات علمية أو كتب علمية موجزة، في حين كانت قديمًا تقدّم في كتب. أمّا "مضمونه"؛ فالنظرية: مجموعة فرضيات وقوانين، وتنطلق من مبادئ ميتافيزيقية عامة، ومناهج وتقنيات تجريبية لتطبيق الفرضيات على الظواهر. و"وظيفته" توجيه الأبحاث اللاحقة، وتحديد المشكلات المشروعة للعلم العادي الجديد. و"قيمته" نسبية، لأنها عند ظهور البارادايم تشكّل تطلّعاً لنظريّة تعد بالنجاح، لا اكتمال النظرية. فكأنّ كون يرشد لعلامة مميزة بين العلم واللاعلم، وهي: "البارادايم"؛ إذ علامة نضج مجال معرفي ما هي قدرته على تكوين بردايم جديد، خلاف الموقف الوضعاني فعلامته: القابلية للتجريب، وبوبر: القابلية للتكذيب. ولحظتا "البارادايم" عند كون: الأولى نشرها في كتابه "بنية الثورات العلمية"، ثم غيّر النقدُ الموجهِ له بعضَ زوايا نظره، فقدّم 1969م بحثاً فيه إضافة وتصحيح، ثم استئناف الرد على النقد والتعليل حول "البارادايم" في عدة مقالات (1970-1971م). إذ دلالة البارادايم في "بنية الثورات": تعريف بالاستناد إلى مفهوم الجماعة العلمية، والعكس. فهو القاسم المشترك بين مجموعة علمية ما (إذن، حلقة مفرغة). أما في بحثه فحاول تفادي الحلقة المفرغة بالتمييز بين البارادايم والمجموعة العلمية، وعلّل الخلط السابق لأنه استعمل البارادايم استعمالين عاماً وخاصاً، فالعام مجموع القيم والمعتقدات المشتركة، والخاص عنصر منعزل عن هذا المجموع. والنقاد ركّزوا على المعنى العام، في حين مراد كون الثاني. كما أضاف إضافات أهمّها: ضرورة الفصل بين البارادايم والمجموعة العلمية، واقتراح استبدال البارادايم ب "المصفوفة المجالية" لإزالة اللبس السابق، وإعادة الاهتمام بالقيم، ليعدّ القيم هي الغاية التي تنشدها كل نظرية علمية حقّة، أو معايير العلمية المقبولة عموماً من طرف العلماء، والاختلاف بين الجماعات العلمية في تطبيق القيم لا الإقرار بها. إضافة للاهتمام بدور "الأمثلة المشتركة"، وهي المشكلات والحلول التي تعرض على الطالب فترة تكوينه. ومع ذلك، لم يكن تقويم كون لنظريته تقويماً جذرياً، بل كان تلطيفاً لتصوّره السابق، لاحتواء الانتقادات الموجهة، ومنها: توسيع مجال تطبيق البارادايم ليشمل كل النظريات غير العلمية الكبرى، المتضمنة لعناصر المصفوفة المجالية، ولم يعد مرهوناً بإجماع الجماعة العلمية، وتعدد البارادايمات، وتأثير علم النفس والاجتماع في الدراسة المعرفية. أما في السياق العلمي والفكري العام، فكانت نظرية كون إضافة إلى تصوّر بوبر يشكلان الأرضية الخصبة للنقاشات الإبستمولوجية على مدى العقود الأربعة، وشارك فيها عدد من المشتغلين بالمعرفة، كلاكاتوش، وشابير، وشالمرز، وتعرّض لانتقادات واسعة. وهناك دراسات أبطلت تصوّر كون، منها: دراسة "أرنست ماير" عند تطبيقه على "علم البيولوجيا" ونظرية داروين (بدون علم عادي)، و"بناصر البعزاتي" في علم الفلك، أظهر أن لم يكن هناك انقلاب كوبرنيكي بل عملية تراكميّة. وثنّى د. مخوخ بمثل ذلك عن الفيزياء. فيظهر من الموجز السالف أن دلالة "البارادايم" إشكالية، وعند إسناد أحد لها في منهجه فلا بدّ أن يبين مراده منها في دراساته المفاهيمية، وأنها نظرية أُبطلت على المستوى التطبيقي، وإن بقي وهجها على المستوى النظري، واكتساب مشروعيتها من حيث شهرتها لا بمدى تحققها التطبيقيّ، ومن ثم فاستعمالها إجرائيّ لا تحقيقيّ.