كلمة «ثورة» تستفز الطغاة وترفع مستوى الأدرينالين لديهم.. تعني تغييراً حاداً يحدث خلال وقت قصير بفضل قوة ناشئة تتطلع للأفضل.. غير أن هذا المعنى لا يرتبط بالضرورة بالجانب السياسي أو العسكري، كونه ينطبق أيضاً على الجانب الفكري والاجتماعي والعلمي.. ظهور الأنبياء مثلاً - في أي أمة - كان بمثابة ثورات فكرية وعقائدية تستدعي خلفها تغيرات جذرية.. ظهور الدعوة الإسلامية مثلاً شكل انقلاباً فورياً في المفاهيم الفكرية والدينية الاجتماعية لدى قريش وعموم الجزيرة العربية - دون المرور بأي تدرج تاريخي.. الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر كانت أول ثورة ليبرالية في التاريخ وقدمت - رغم طابعها العنيف - قيماً مدنية عليا أصبحت اليوم من مسلمات المجتمعات المدنية الحديثة.. هزيمة اليابان وألمانيا في الحرب العالمية الثانية كان مؤلماً وساحقاً، ولكنه استدعى تغييراً جذرياً في طريقة تفكير الشعبين واستبدال توسعهما العسكري بتوسع صناعي وتقني (غزا بيوت العالم).. الأميركان من جهتهم قاموا بثورة علمية طالت مناهج التعليم للحاق بركب الروس الذين سبقوهم في معظم الإنجازات الفضائية في خمسينات القرن الماضي!! .. ومفهوم الثورة يمكن أن يظهر حتى في الجانب الاقتصادي والأممي بدليل رأسمالية آدم سميث واشتراكية كارل ماركس.. وفي الجانب الصناعي كان اختراع الآلة البخارية (في بريطانيا) بمثابة ثورة على أساليب العمل القديمة والنقطة التي بدأت منها «الثورة الصناعية».. وأوروبا بأكملها لم تخرج من قرون الظلام إلا بعد «ثورة فكرية» بدأت بالتمرد على أفكار الكنسية وظهور ما دعي لاحقاً بعصر النهضة في فلورنسا الإيطالية (في نهاية القرن الرابع عشر). وكان البروفيسور توماس كون أول من استخدم مصطلح «البارادايم» في كتابه «بنية الثورات العلمية» ليصف التغيرات الفكرية الحادة.. فالبارادايم يعني ثورة علمية أو فكرية تحدث حين يواجه العلماء والمفكرون (وأحياناً المجتمعات) مشاكل جديدة لا يمكن حلها بالطرق القديمة.. منعطف حاد يتخذونه حين يصلون إلى طريق مسدود، وتتملكهم قناعة بأن الأفكار القديمة أصبحت تشدهم للخلف بدل نقلهم إلى الأمام.. ومن نماذج البارادايم التي ظهرت في تاريخ العلوم والفكر الإنساني: * التخلص من فكرة مركزية الأرض وتبني نموذج كوبرنيكوس حول مدارات الكون والكواكب. * والتخلص من فكرة الأرض المسطحة، وتأكيد كروية الأرض من خلال رحلة ماجلان الذي دار حولها. * استبدال فيزياء نيوتن (رغم فعاليتها) بنسبية أينشتاين التي فسرت علاقة الكتلة بالسرعة والزمن. * والتخلص من نظرة الكنيسة للخلق، وتبني فكرة داروين في التخلق. * إثبات الأخوين رايت (مخترعي الطائرة) إمكانية تحليق الأجسام الثقيلة في الهواء التي لم يصدق بها معظم العلماء في ذلك الوقت. * كل الإنجازات العلمية والتقنية التي استدعت تغييرات اجتماعية عميقة (بدءاً بالكهرباء والسيارة والصحف، إلى التلفزيون والإنترنت والهواتف الذكية).. .. جميعها كانت بمثابة ثورات علمية وفكرية قفزت بالبشرية بطريقة نوعية وشبه مفاجئة.. ثورات سلمية ساحتها العقول والأفكار، وتغييرات جذرية أكثر نفعاً وإيجابية من تمزيق الدول والمجتمعات.. Your browser does not support the video tag.