أول فيلم سعودي أنتج كان في عام 1950، وعنوانه: الذباب عدو الإنسان، وهو من بطولة الفنان السعودي حسن الغانم، ومدته 30 دقيقة، وقد قامت شركة أرامكو بإحضار فريق متخصص من هوليود لإنتاجه، ما يعنى أن التجربة الدرامية السعودية تمتد لأكثر من 75 عامًا.. منصة شاهد استثمرت في الدراما المعربة، وتحديداً في 2024، قرابة ستين مليون ريال، أو ما يصل إلى ستة عشر مليون دولار، وقد كان استثمارها الأكبر في الأعمال المستنسخة من التركية، التي نقلت الثقافة التركية إلى العالم، وشكلت رافدا سياحيا مهماً لتركيا، وهذه الدراما لم تحقق شهرتها من خلال الاستنساخ من أعمال أجنبية، مع أنها لجأت إليه في بعض الأحيان، وإنما قامت الدولة التركية بتسخير كل إمكاناتها لتطويرها، وهذا أوصلها إلى 150 دولة، وقادها إلى إيرادات ضخمة وصلت إلى حدود المليار دولار في 2023، واللافت أنها في معظمها تعتمد على مثلث الحب والخيانة والانتقام، وطرحها قائم على السطحية، في التفاصيل والمواقف والحوارات، والكلام السابق عن التقليد أو الاقتباس، وليس عن الأصل الدرامي التركي، لأنها قد تعني شيئا مختلفا في الثقافة التركية. في المقابل، العرب وبالأخص المنتجون السعوديون، عملوا على نقل القالب بالكامل وليس الأفكار، ولم يحاولوا تعريب أو سعودة شكل ومضمون الدراما التركية، وبطريقة تنسجم ثقافيا واجتماعيا وجغرافيا مع المجتمع السعودي أو العربي، مثلما فعل الأتراك أنفسهم عند اقتباس أعمال كورية جنوبية من نوع "ذا كوين أوف ذا غايم"، ومعه مسلسل الهيبة السوري، الذي أخذت فكرته في الأساس، من أبي الأفلام الأميركية، أو فيلم الأب الروحي. المسلسلات المعربة أو المقلدة بكامل تفاصيلها عملت على تسطيح المشاهد العربي، ومن يتابعها سيلاحظ عدم تقديمها لقيمة فكرية على الإطلاق، ولا حتى خبرات حياتية يمكن توظيفها، على المستوى الاجتماعي أو الشخصي، والتغير الوحيد فيها يكون في جنسيات الممثلين، وتحولها من تركية إلى عربية، لأن المنتجين العرب يحافظون على خصوصية العمل الدرامي الموجودة عند الأتراك من الناحية الفنية حتى يحصلوا على مكاسب وأرباح مشابهة، وهو ما يحدث بالفعل، ويقومون بالتصوير في نفس المواقع التي صور فيها العمل الأصلي، وباستخدام الديكورات والأزياء نفسها، ويلتزمون بقاعدة التسعين حلقة، وهذه تعتبر بمثابة بصمة للأعمال التركية، وفي مسلسل ستيلتو المعرب، المأخوذ من مسلسل جرائم صغيرة التركي، تم إحضار فريق العمل الأصلي بعدته وعتاده من تركيا، باستثناء الممثلين العرب، والأعمال المعربة تقدم تعويضا عن غياب المحتوى الدرامي العربي، وتملأ مساحة عرض كبيرة، خارج شهر رمضان، الذي تظهر فيه غالبية أعمال الدراما العربية. زيادة على ما سبق، الإنفاق على الدراما العربية متواضع وخجول، ما يجعل إمكانية تطويرها أو قابليتها للتصدير مستبعدة في المستقبل المنظور، ومن الأمثلة، أن معركة واحدة في مسلسل صراع العروش أو غيم أوف ثرونز، كلفت أربعين مليون دولار، بينما المعركة الأعلى سعرا في تاريخ الدراما العربية كانت في الحلقة الحادية عشرة من مسلسل الحشاشين، الذي عرض في رمضان 2024، ولم تتجاوز قيمتها المئة ألف دولار، والدراما المعربة حصتها بسيطة في كعكة الدراما، إلا أن الإنفاق عليها مرتفع ولا يقارن بالدراما عربية المنشأ، ربما لأن ربحيتها شبه مضمونة. السعوديون يعتبرون من أكبر مستهلكي المنتج المرئي في العالم، وهذا يشمل التلفزيون والسينما والمنصات، ومن الشواهد، أنه في عام 2023 وحده وصلت إيرادات السينما في الأراضي السعودية، إلى 245 مليون دولار، وتم بيع أكثر من 17 مليون تذكرة لمشاهدة 432 فيلما، وما بين عامي 2018 و2023 تم عرض 1840 فيلما، ومع ذلك لم يحاول صناع الدراما السعودية، صناعة هوية تمكنها من المنافسة، والاستثمار في هذه الشعبية الجارفة، وهم في الغالب يدخلون المهرجانات العالمية بأعمال أقرب في شكلها إلى النموذج الغربي، مع أن هذه االمهرجانات تحتفي بالنماذج التي تخاطب بيئتها المحلية، ومن الشواهد فيلم: وجدة، وهو أول فيلم سعودي يصل لقائمة ترشيحات الأوسكار الأولية في 2013، عن فئة الأفلام الأجنبية، وبالمناسبة أول فيلم سعودي أنتج في عام 1950، وكان عنوانه: الذباب عدو الإنسان، وهو من بطولة الفنان السعودي حسن الغانم، ومدته 30 دقيقة، وقد قامت شركة أرامكو بإحضار فريق متخصص من هوليود لإنتاجه، ما يعنى ان التجربة الدرامية السعودية تمتد لاكثر من 75 عاماً. المفروض أن يتم ضخ أموال أكبر، وبالأخص من الدول القادرة مثل المملكة، في أعمال درامية تستحق، ولا بأس من مراجعة التجارب التركية والكورية والإسبانية، أو حتى الكمبودية، لأنها قريبة وتتقاطع معنا في أشياء كثيرة، بالإضافة إلى أن الجمهور العربي والخليجي يميل إليها، وتطوير مهارات المخرجين السعوديين بتدريبهم مع نظرائهم العالميين، لبناء جيل قادر على المنافسة العالمية، فمن غير المعقول أن مسلسلا محليا متميزا كشارع الأعشى، ومع أنه مقتبس من رواية سعودية تحمل ذات العنوان، يدير دفة العمل الدرامي فيه مخرج تركي، ثقافته محدودة عن المجتمع السعودي، ولن يحل ذلك إلا بصناعة دراما سعودية متفوقة، وجاذبة للاستنساخ أو بأقل تقدير الدبلجة، وفيها دعم للسياحة والاقتصاد الوطني.