ليس الموت خاتمة سيرة، بل وقفة يتأمل عندها التاريخ إثر صاحبه، وبرحيل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد مصلح السريحي (1953–2026)، عن عمر ناهز «74» عامًا، بعد معاناة مع المرض، إذ كان يرقد في العناية المركزة منذ أشهر، تطوى صفحة من صفحات النقد السعودي الحديث، لكن الأثر يبقى مفتوحًا على قراءة لا تنتهي. ينتمي السريحي إلى جيل رواد الأدب في المملكة، ومن أقطاب الصحافة الثقافية فيها، وأحد رموز الحداثة في العالم العربي. لم يكن حضوره مجرد مشاركة في مشهد ثقافي، بل كان اشتغالًا عميقًا على سؤال الحداثة، وعلى العلاقة المعقدة بين النص والواقع، وبين الفكر والتحول الاجتماعي. في مسيرته المهنية، جمع بين العمل الأكاديمي والاشتغال الصحفي، فكان عضوًا في مجلس إدارة النادي الأدبي الثقافي بجدة، وعضوًا في الهيئة الاستشارية بجمعية الثقافة والفنون، ومشرفًا على الأقسام الثقافية في في احدى الصحف لم تكن هذه المواقع مجرد مناصب، بل منصات لتوسيع أفق الحوار، وترسيخ حضور الثقافة في المجال العام. آمن السريحي بأن النقد ليس ترفًا معرفيًا، بل ضرورة فكرية؛ وأن الحداثة ليست شعارًا بل موقفًا من العالم. لذلك جاءت أعماله امتدادًا لمشروع فكري متكامل، تجلّى في مؤلفات تركت أثرًا واضحًا في الساحة الثقافية، من بينها: "الحياة خارج الأقواس: سيرة غير ذاتية للمدعو سعيد"، حيث اقترب من الذات بوصفها سؤالًا لا اعترافًا، "كي لا نصحو ثانية: تفكيك خطاب الصحوة وآليات الهيمنة على المجتمعي "الذي قدم فيه قراءة نقدية لتحولات الخطاب الديني والاجتماعي، و"حجاب العادة: أركيولوجيا الكرم... من الخطاب إلى التجربة" الذي غاص في البنية الثقافية للعادات والممارسات، و"ذباب الوقت: تدوينات على جدار الحجرة الذي عكس تأملاته الوجودية في الزمن والكتابة والمعنى. في هذه الأعمال، لم يكن السريحي يبحث عن إجابات نهائية، بل عن أسئلة أعمق. كان يرى أن النص ليس بنية لغوية فحسب، بل أثرًا اجتماعيًا وثقافيًا، وأن القراءة فعل مقاومة للسطحية. لذلك ظل صوته حاضرًا في كل نقاش حول الحداثة والتحول، وفي كل سجال ثقافي يحتاج إلى اتزان الرؤية وهدوء الطرح. وعلى المستوى الأكاديمي، خرج أجيالًا من الطلاب الذين تعلموا منه أن النقد أخلاق قبل أن يكون تقنية، وأن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون حرفة. امتاز بلغة رصينة، وحضور هادئ، وقدرة على إدارة الحوار دون صخب، مؤمنًا بأن الاختلاف مساحة إثراء لا ساحة خصومة. لقد أفنى عمره في خدمة الكلمة؛ في الجامعة، وفي الصحافة، وفي الندوات والملتقيات، لم ينظر إلى الثقافة بوصفها نشاطًا هامشيًا، بل بوصفها مشروعًا حضاريًا يعيد تشكيل الوعي الجمعي. لذلك كان أثره ممتدًا، لا في كتبه وحدها، بل في الذائقة التي أسهم في بنائها، وفي الأسئلة التي تركها مفتوحة أمام الأجيال. برحيله، تخسر الثقافة العربية قامة فكرية كان لها دورٌ بارز في تعميق النقاش حول مفاهيم الحداثة، وتفكيك الخطابات المغلقة، وإعادة الاعتبار للنقد بوصفه فعلًا إنسانيًا مسؤولًا. غير أن الأثر لا يُدفن، بل يتحول إلى ذاكرة حية في النصوص، وإلى امتدادٍ فكري في عقول طلابه وقرائه. نسأل الله أن يتغمد سعيد السريحي، بواسع رحمته، وأن يغفر له، وأن يجعل ما قدّمه في ميزان حسناته، وأن يلهم أهله ومحبيه ورواد الثقافة والأدب الصبر والسلوان. الراحل الدكتور سعيد السريحي