نتفق جميعاً على أن تكليف المتحدث الرسمي ليس مهمة شكلية، بل مسؤولية مهنية دقيقة تتطلب مواصفات محددة يجب أن تتوافر فيمن يقع عليه الاختيار. فالمتحدث الرسمي هو حلقة الوصل بين الجهة التي يمثلها ووسائل الإعلام والجمهور، وهو صوتها العلني ومرآتها أمام الرأي العام، كما أن هذه المهمة لا تقتصر على الظهور عند الأزمات فقط، بل تستلزم متابعة يومية لكل ما يدور داخل الجهة من أخبار ونشاطات وقرارات، ليكون المتحدث حاضراً وملماً ومبادراً. لكن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: كيف نختار المتحدث الرسمي؟ من خلال متابعتي للوسط الإعلامي والصحافي، وبحكم عملي في المجال الإعلامي، لاحظت أن بعض المتحدثين الرسميين –وليس جميعهم– تنقصهم الكثير من المهارات الأساسية التي يفترض أن تكون من بديهيات هذا الدور. من أبرزها مهارات الظهور الإعلامي، والقدرة على التحدث بثقة، والاستنباط، وصياغة الرسائل بوضوح، إضافة إلى الإلمام الكامل بتفاصيل الجهة التي ينتمي إليها. والأدهى من ذلك أن بعضهم يصر على طلب محاور اللقاء مسبقاً، ويؤكد على عدم الخروج عنها، وكأنه يفرض قيوداً غير منطقية على الجهة الإعلامية، في حين أن الأصل في المتحدث الرسمي أن يكون قادرا على التعامل مع الأسئلة بمهنية ومرونة، لا بهواجس وتوجس. ولا يخفى أن هناك استثناءات مبررة، خاصة في بعض الجهات العسكرية أو الأمنية التي يفرض طبيعة عملها قدراً من السرية، وتحديداً مسبقاً لما يمكن طرحه أو مناقشته. إلا أن تعميم هذا الأسلوب على بقية الجهات المدنية والخدمية لا يخدم العمل الإعلامي، ولا ينسجم مع متطلبات المرحلة. إن ما وصلت إليه المملكة اليوم من منجزات كبرى في القطاعين الحكومي والخاص، بفضل الله ثم الرؤية القيادية لسمو ولي العهد محمد بن سلمان –حفظه الله– والتسارع الكبير في تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030، يفرض بالضرورة أن يكون المتحدث الرسمي على مستوى عال جداً من الحضور والاحترافية والكاريزما. فهو الواجهة الرسمية للجهة، والمتحدث باسمها، ومن غير المنطقي أن يظهر في الإعلام مرة أو مرتين في العام، بينما تتسارع الأحداث وتتعدد الأسئلة وتبحث وسائل الإعلام يومياً عن المعلومة. وحين تغيب المعلومة من مصدرها الرسمي، أو تتأخر، تتشكل بيئة خصبة للشائعات، وتبدأ "بكتيريا الإشاعة" في الانتشار، وهو ما لا يتماشى مع مستوى الشفافية والوضوح الذي تنتهجه قيادتنا، ولا مع المسار الذي تسير عليه مؤسسات الدولة في ظل رؤية 2030. من وجهة نظري، فإن الحل يبدأ من الاختيار الصحيح للمتحدث الرسمي، قبل الحديث عن التدريب والتأهيل. اختيار شخص يمتلك الأساسيات، ولديه القابلية للتطوير، ويجيد مهارات الاتصال والتواصل، ويملك حضوراً مقنعاً وعلاقات مهنية إيجابية مع وسائل الإعلام. ثم يأتي بعد ذلك دور التأهيل المستمر، من خلال الدورات المتخصصة، والتدريب العملي، والتقييم الدوري، حتى يصبح المتحدث الرسمي قيمة مضافة حقيقية لجهته، لا عبئاً عليها.