وأنت تقلّب شاشة الهاتف، هل سألت نفسك: ماذا استفدت؟ كم مقطعًا مرّ؟ كم صورةً حدّقت فيها بلا هدف؟ وكم دقيقة تبخّرت دون أثر؟ في الغالب، أنت تسبح مع تيار مسحوري الهاتف. مثل غيرك، وقعتَ في شرِّ الإدمان، وهو إدمان لا يقل خطورة عن إدمان المواد الممنوعة. قد تظن أنك تقلّب الهاتف للترفيه أو تمضية الوقت، لكن الحقيقة -من منظور بيولوجي صرف- أنّ نظام الدوبامين في دماغك مُنشَّط بالتوقّع، يدفعك للبحث عن أي إشارة قد تُسرّك. والدوبامين هو ناقل عصبي في الدماغ مسؤول عن التحفيز، المكافأة والإدمان، يفرز قليلاً عندما تتلقى تحفيزًا أو وعدًا، ثم يفرز كثيراً عند إنجاز المهمة، لذلك سُمي الدوبامين هرمون المكافأة، (وهي تسمية غير علمية، فالدوبامين لا يصنّف كهرمون). تجربة واحدة في هاتفك قد أسعدتك سابقًا فغمرت دماغك بالدوبامين لحظيًا، فشعرت بالنشوة، ثم هبط مستواه، هذا الهبوط يشعرك بالتوَتُر، فتندفع نحو الهاتف مرة أخرى باحثاً عن جرعة دوبامين أخرى لمتعة أخرى. حينما تجد خبرًا يسعدك، أيًّا كان، ولو مقطعًا لفيديو مضحك، أو فوز فريقك بالمباراة، يغمر الدوبامين دماغك ويمنحك شعورًا بالنشوة قصير الأمد، لكن هذا الدوبامين ظهر في غير محله ولم يؤدِّ وظيفته البيولوجية، فأنت تشعر الآن بالسعادة دون إنجاز أي هدف شخصي، وتلك مغالطة صريحة، لذلك نلاحظ الفاشلين كثيرو الاندماج بالهاتف، لأنّهم يبحثون عن مكافأة الدوبامين من مصادر ملتوية وغير مشروعة تعويضًا لفشلهم ودون إنجاز شيءٍ ذي أهمية، فيما الناجحون منكبّون نحو تحقيق أهدافهم الشخصية، وحينما يصلون إليها يستقبلون دوبامين حقيقيًا ومشروعا. كونك تستقبل دوبامين من تقليب الهاتف، فأنت لست معنياً بتحقيق أهدافك الشخصية ولا يمثل لك تحقيقها أي معنى أو سعادة، فالهاتف صار يفي بالغرض. في المقابل وعلى سبيل المثال، القراءة الجادة، قد لا ترفع الدوبامين بشكل لحظي، لكنها تُنتج الدوبامين الحقيقي والمستحق ويبقى أثره طويلًا، فنجد بعض المثقفين مدمني قراءة جادة، ويا له من إدمان إيجابي، وليتنا نصل إلى هذه المرحلة. من جهة أخرى، يعزف العامة عن القراءة لأنها لا تمنح شعوراً لحظيا بالمتعة، القراءة، أقصد قراءة الكتب المتنوعة، تمنحك فهمًا لمشكلة، ربط فكرة بأخرى كانت غائبة عنك، ترى المشهد كاملاً بدلاً من رؤيته من زاوية ضيّقة. هذه التغيرات والمكاسب الجديدة ترفع الدوبامين، فتجعلك متحفزاً للقراءة واكتساب المزيد من المعرفة، لذلك من المهم جدًا أن يكون الكتاب مفيدًا للقارئ وممتعًا بالوقت نفسه، وفي رأيي أنّ الرواية تجمع هذين الشرطين. إن أفضل طريقة للإفلات من إدمان فيديوهات التواصل الاجتماعي هو تخصيص عشرين دقيقة للقراءة، وحبذا لو كانت مرتين في اليوم. عشرون دقيقة قراءة صباحًا قبل أن يبتلعك اليوم، وعشرون دقيقة قراءة مساءً قبل أن يبتلعك النوم، مجموع أربعين دقيقة تُنتزع من العدم، من نفس المساحة التي عادة تضيعها في التصفح بلا وعي.. الفارق ليس في الكم، بل في الاتجاه. الهاتف يمنحك تدفقًا مستمرًا من المعلومات السريعة والمشاهد الترفيهية، لكنه نادرٌ ما يترك أثرًا طويل الأمد. القراءة، على العكس، بطيئة بما يكفي لتُرسِّب شيئًا داخلك: فكرة مختلفة، جملة بديعة، معلومة جديدة، أو طريقة نظر مختلفة. أربعون دقيقة قراءة يوميًا تعني كتابًا كل أسبوعين تقريبًا، وستصل إلى حوالي ستة وعشرين كتابًا في السنة، دون أن تغيّر نمط حياتك، ودون الحاجة للبحث عن وقت فارغ. أنت لم تجد الوقت، بل استعدته، أنت لم تنقطع عن الهاتف بل استخدمته للمعرفة، الوقت لا يُخلق من العدم، بل يُنتزع من اللاجدوى. والقراءة، ببساطة، اختيار أن يكون لوقتك أثر.