لم يعد من الممكن الحديث عن مستقبل الطاقة أو الاستدامة أو حتى الأمان الصناعي والاقتصادي، دون وضع "تخزين الطاقة المتجددة" على طاولة النقاش، وجعله من أهم الأولويات، فبينما أصبحت الطاقة الشمسية وطاقة الرياح عنوان المرحلة الراهنة والمقبلة، يبقى التخزين هو الحبل السري الذي سيربط إنتاجها بالاستهلاك الواقعي، والحلقة الأهم التي ستحوّل الطاقة النظيفة من فكرة واعدة إلى منظومة عملية قابلة للاعتماد. إن التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة يحمل فوائد بيئية واقتصادية واضحة، لكنه في الوقت ذاته يضعنا أمام تحدٍ جوهري؛ هذه المصادر لا تعمل دائماً عندما نحتاجها، ولا نحتاجها دائماً عندما تعمل. فما قيمة إنتاج كميات كبيرة من الكهرباء في منتصف النهار، بينما ذروة الطلب قد تكون في ساعات المساء؟ هنا تظهر أهمية التخزين باعتباره أداة لتحقيق التوازن، ووسيلة لرفع موثوقية الشبكة الكهربائية، ودعامة رئيسة لمرونتها أمام الطوارئ والمتغيرات. ومن الجدير ذكره أن المملكة أعلنت قبل أيام -حسب وزارة الطاقة- عن تدشين أكبر نظام لتخزين الطاقة بالبطاريات عالمياً بسعة 7.8 غيغاواط/ساعة، قادرة على تزويد أكثر من 400 ألف منزل بالكهرباء موزعة على ثلاثة مواقع في نجران وخميس مشيط ومركز المضايا، في خطوة إستراتيجية لدعم مرونة الشبكة الكهربائية وزيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة ضمن مستهدفات رؤية 2030، ولأهمية هذا الرقم يكفي أن نعلم أن أكبر بطارية لتخزين الطاقة كانت لمشروع إدواردز وسانبورن للطاقة الشمسية في كاليفورنيا بسعة تخزينية تبلغ نحو 3.3 غيغاواط/ساعة بحسب موقع إنيرجي ستورج، فلا شك أن ما قامت به المملكة يعد إنجازاً تاريخياً يحسب لها في صناعة تخزين الطاقة. وإذا كانت المملكة قد قطعت شوطاً كبيراً في مشاريع الطاقة المتجددة عبر مبادرات ومشاريع عملاقة مثل سدير للطاقة الشمسية ودومة الجندل لطاقة الرياح وغيرهما، فإن المرحلة التالية تتطلب التركيز على "القيمة المضافة" من هذه المشاريع، وليس مجرد زيادة الإنتاج؛ فالقضية ليست إنتاج كهرباء نظيفة فحسب بل ضمان توفرها في الوقت المناسب وبالشكل الذي يخدم الاقتصاد والصناعة ويعزز أمن الطاقة. من هنا تتضح حقيقة مهمة هي أن تخزين الطاقة ليس مشروعاً جانبياً ولا خياراً إضافياً يمكن تأجيله، بل هو ضرورة تكنولوجية وبعد إستراتيجي يحددان نجاح منظومة الطاقة المتجددة في المملكة؛ فكلما زادت نسبة الاعتماد على مصادر متقطعة بطبيعتها زادت الحاجة إلى حلول تخزين قادرة على دعم الشبكة واستيعاب الفائض وتوفير الطاقة عند الذروة. وعندما يتم الحديث عن تخزين الطاقة يتجه التفكير مباشرة نحو البطاريات، وهذا صحيح جزئياً؛ فبطاريات الليثيوم-أيون تقود المشهد عالمياً سواء في الأنظمة الشمسية الصغيرة أو المركبات الكهربائية أو حلول دعم الشبكات، إلا أن الاعتماد على البطاريات وحدها لا يمثل الحل الكامل، فالتكلفة وعمر التشغيل وسلاسل الإمداد للمواد الخام ومتطلبات السلامة كلها عوامل تفرض على الدول التفكير في "مزيج تخزين" متنوع، تماماً كما نتحدث عن "مزيج طاقة" متوازن. ولذلك بدأ العالم يتوسع في حلول تخزين غير تقليدية مثل التخزين المائي بالضخ؛ حيث يتم استغلال فائض الكهرباء لضخ المياه إلى خزان مرتفع ثم إعادة إطلاقها لتوليد الطاقة عند الحاجة، إضافة إلى تخزين الهواء المضغوط، والتخزين الحراري باستخدام الرمال أو الأملاح المنصهرة، وكذلك تخزين الطاقة عبر أنظمة الجاذبية التي تعتمد على رفع أوزان ثم استعادتها لتوليد الكهرباء. ويأتي الهيدروجين الأخضر كأحد الخيارات الإستراتيجية المهمة، ليس فقط للتخزين طويل المدى، بل أيضاً لتحويل الطاقة المتجددة إلى منتج قابل للنقل والتصدير. ومن منظور صناعي فإن أهمية التخزين تتجاوز البعد البيئي إلى صلب التنمية الاقتصادية؛ فالمصانع لا يمكنها الانتظار حتى تشرق الشمس أو تهب الرياح، وخطوط الإنتاج لا تتوقف وفقاً لظروف المناخ. وإذا كنا نتحدث عن توطين الصناعة ونقل التقنية وخلق الوظائف، فإن امتلاك شبكة كهربائية مستقرة ومرنة يصبح شرطاً أساسياً لتحقيق هذه الأهداف. وهنا يظهر التخزين كأداة لضمان استقرار الإمدادات وتقليل التذبذب وحماية الإنتاج من الانقطاعات أو تقلبات الأحمال. لكن النجاح في هذا القطاع لا يرتبط فقط بالتقنية، بل بالقدرة على بناء منظومة متكاملة تشارك فيها الدولة والقطاع الخاص معاً؛ فالمرحلة المقبلة تتطلب تحفيز الاستثمار المحلي في مشاريع التخزين، وتطوير نماذج تشغيل تسمح للقطاع الخاص بالدخول بفاعلية، سواء عبر بناء وتشغيل أنظمة التخزين، أو عبر توفير خدمات دعم الشبكة، أو حتى عبر تأسيس مصانع ومراكز صيانة وتطوير داخل المملكة. ومن أهم الممكنات لتحقيق ذلك نقل التقنية بشكل فعّال وليس شكلياً، عبر اتفاقيات واضحة تُلزم بتوطين المعرفة، وتدريب الكوادر الوطنية، وتأسيس خطوط تصنيع أو تجميع أو مراكز هندسية محلية. كما أن تدريب المحتوى المحلي في هذا المجال يمثل حجر الأساس للاستدامة، لأن التقنية بلا كوادر مؤهلة تتحول إلى عبء تشغيلي، بينما الاستثمار في الإنسان يحولها إلى فرصة اقتصادية طويلة الأمد، وفي ضوء التوسع المتسارع في مشاريع الطاقة المتجددة وارتفاع أهمية حلول تخزين الطاقة بوصفها الركيزة الأساسية لاستقرار الشبكات الكهربائية ورفع موثوقية الإمداد، أقترح إنشاء مركز بحثي وطني متخصص في تخزين الطاقة وتقنيات تكامل الشبكات، يكون دوره محورياً في دعم الابتكار وتطوير الحلول العملية ذات الجدوى الاقتصادية. إن الدول التي تبدأ اليوم ببناء بنيتها التحتية التخزينية، وتدعم مراكز الأبحاث، وتحتضن التجارب العالمية، وتؤسس شراكات قوية مع القطاع الخاص، ستكون الأقدر على قيادة سوق الطاقة في السنوات المقبلة. والمملكة بما تمتلكه من رؤية واضحة ومشاريع كبرى وطموح متسارع، تسير في الاتجاه الصحيح نحو مستقبل لا يكتفي بإنتاج الطاقة المتجددة، بل يحسن إدارتها وتخزينها وتحويلها إلى قيمة صناعية واقتصادية قابلة للنمو والتوسع. وفي الختام، إذا كانت الطاقة المتجددة هي المستقبل، فإن تخزين الطاقة هو المفتاح الحقيقي لهذا المستقبل. والمملكة اليوم أمام فرصة تاريخية ليس فقط لتعزيز أمن الطاقة، بل لبناء صناعة وطنية متقدمة في مجال التخزين، تقودها الشراكة مع القطاع الخاص، ويغذيها نقل التقنية، ويقويها تدريب المحتوى المحلي، لتصبح منظومة طاقة مرنة وآمنة وقادرة على المنافسة عالمياً. سعد بن إبراهيم المعجل