تمثل التوسعات الخارجية للشركات المساهمة معادلة معقدة بين الفرصة والمخاطرة، فهي من جهة تفتح آفاقاً واعدة نحو أسواق جديدة وقواعد عملاء أوسع وتنويع جغرافي تحد من التقلبات الاقتصادية غير المنظورة، ومن جهة أخرى قد تتحول إلى عبء مالي ثقيل يستنزف موارد الشركة وثقة مساهميها؛ وقد شهدت السوق مؤخراً حالات لشركات أعلنت تخارجها من استثماراتها الخارجية التي سبق أن روجت لها عند الاستحواذ بحماس كبير وبمبالغ باهظة، لتتخلص منها لاحقاً بخسائر؛ هذا التحول الدراماتيكي من التمجيد إلى التخارج، بصرف النظر عن صلابة الأسباب المعلنة أو ضعفها، يكشف ربما عن فجوة بين القرار الاستثماري المحسوب والمقامرة غير المنضبطة التي يدفع ثمنها المساهمون، بينما تتآكل سمعة الشركة ومركزها المالي. سلامة أي توسع خارجي تحليلياً يبدأ من جودة الفحص النافي للجهالة الشامل على المستويات المالية والتشغيلية والقانونية والتنظيمية؛ ويتطلب ذلك بناء نماذج سيناريوهات واقعية تشمل أسوأ الاحتمالات، لا الاكتفاء بالتوقعات التفاؤلية التي غالباً ما تقدم من الشركات الاستشارية في العروض الترويجية وتطرح على المساهمين وفي الإعلام؛ وينبغي تقييم عوامل حاسمة مثل هيكل التكاليف التشغيلية، والبيئة التنظيمية والتكاليف الضريبية، وتقلبات العملة، وطبيعة الطلب الفعلي في السوق المستهدف، والقدرة الحقيقية على إدارة أصول في بيئات مختلفة ثقافياً وجغرافياً؛ كما يجب ربط كل عملية استحواذ بمؤشرات أداء محددة وقابلة للقياس كمعدل العائد الداخلي وفترة الاسترداد والمساهمة المباشرة في الربحية، على أن تختبر هذه المؤشرات سنوياً ويفصح عنها للمستثمرين بشفافية كاملة؛ ويفترض لضمان الموضوعية إخضاع القرارات لمقاييس صارمة عبر لجان متخصصة مستقلة قادرة على الاعتراض عند اللزوم. ولهذا نقول تقع على مجلس الإدارة المتخذ لقرار التوسعات الخارجية مسؤولية مباشرة وممتدة في ضمان عدم تحول هذه التوسعات إلى مغامرات غير محسوبة؛ وهذه المسؤولية لا تقف عند لحظة اتخاذ القرار، أو تنتهي بانتهاء فترة عمل مجلس الإدارة المتخذ للقرار، بل تمتد مع غيره من مجالس الإدارة وتستلزم المتابعة الدقيقة للأداء واتخاذ قرارات تصحيحية شجاعة في التوقيت المناسب، بما في ذلك التخارج المبكر حين يتحول الأصل إلى عبء اقتصادي لا مبرر للاحتفاظ به؛ وبالمقابل، يتحمل المساهمون مسؤولية موازية من خلال المتابعة الفاعلة للتقارير وبداية مرحلة لطرح الأسئلة النقدية في الجمعيات العامة والمطالبة بمساءلة حقيقية لمن اتخذ قرارات الاستحواذ بمبالغ ضخمة ثم التخارج منها بخسائر كبيرة دون محاسبة واضحة؛ وبهذا التوازن بين حوكمة صارمة من الإدارة ورقابة واعية من المساهمين، تصبح التوسعات الخارجية أداة حقيقة ومضاعفة للقيمة والعوائد والنمو المستدام، لا بوابة نحو أزمات متكررة يدفع ثمنها الملاك بينما تمضي القرارات الخاطئة دون حساب.