ليس الزهايمر مرضًا عابرًا يمكن اختصاره في كلمة "نسيان". بل تجربة إنسانية طويلة، تختبر معنى الهوية، وتعيد تعريف العلاقات، وتضعنا أمام سؤال مؤلم: من نكون حين تخوننا الذاكرة؟ ومن نكون نحن حين نحب من لم يعد يتذكرنا؟ هذا المرض لا يبدأ بالفقدان المفاجئ بالانسحاب البطيء بل من التفاصيل. يتأخر الجواب، وتختلط الأسماء، وتنمو الأسئلة ذاتها، ثم شيئًا فشيئًا، يتراجع الماضي عن موقعه ويصبح الحاضر أكثر ارتباكًا، ويغدو الزمن أقل وضوحًا في وعي المريض ومن حوله. في الزهايمر، لا تضيع الذكريات وحدها... بل تتغيّر الأدوار، وتُعاد منهجية العلاقات. يتحوّل القوي إلى محتاجٍ للاطمئنان، وتتحوّل العائلة إلى ذاكرة بديلة تحفظ ما نُسي، وتذكّر بما لم يعد يُتذكَّر. الأصعب في هذا المرض ليس النسيان ذاته، بل ما يفرضه علينا من تحوّل في طريقة الحب. نتعلّم أن نعرّف أنفسنا لمن عرفونا طويلًا، وأن نشرح قصصنا لمن عاشوها معنا يومًا، وأن نبتسم حين لا يتم التعرّف علينا، وأن نخفي وجعنا حين ينادينا من نحب باسمٍ ليس اسمنا. ولي تجربة قريبة من قلبي مع جدتي، مريضة الزهايمر. أدركت معها أن المعرفة ليست دائمًا في العقل، بل كثيرًا ما تكون في الإحساس. أجلس بقربها، أراقب نظراتها وهي تتنقّل بين ملامحي كأنها تبحث عن أثرٍ مألوف. أحيانًا تنطق اسمي، وأحيانًا تخطئه، وأحيانًا تكتفي بصمتٍ طويل ... لكنها تمسك بيدي، وفي تلك اللحظة أعرف أن بعض القلوب تتذكّر بطريقتها الخاصة حين تعجز الذاكرة عن التذكّر. أتمنى لها الشفاء من قلبي، وأدعو أن يخفّف الله عنها ثقل هذا الابتلاء، وأن يمنحها طمأنينة لا تحتاج إلى أسماء، أو تواريخ، ولا إلى ترتيبٍ زمني للأحداث. هذا المرض يعلّمنا درسًا عميقًا: أن الإنسان لا يُختصر في ذاكرته، ولا تُقاس قيمته بقدر ما يتذكّر، بل بقدر ما يستحق من رعاية، واحترام، ورحمة. ويضعنا أمام سؤال جدلي لا نحب مواجهته: هل نحب الناس لأجل ما يتذكرونه عنا... أم لأن الحب في جوهره اختيار أخلاقي لا يتغيّر بتغيّر الذاكرة؟ في الزهايمر، تتراجع الذاكرة فعلًا... لكن الحب، حين يكون صادقًا، يتقدّم خطوةً إلى الأمام، ليحفظ الإنسان ... حين تعجز الذاكرة عن حفظه.