سيطرت الحكومة السورية على سجن في شمال البلاد الجمعة، بعد خروج المقاتلين الأكراد منه عبر التفاوض، في خطوة وصفها مسؤول بارز بأنها مؤشر إيجابي على إمكانية صمود هدنة بين الجانبين. وفرضت القوات الحكومية خلال الأسبوعين الماضيين سيطرتها على مساحات شاسعة في شمال سورية وشرقها من قبضة قوات سورية الديمقراطية، في تطور سريع للأحداث عزز حكم الرئيس أحمد الشرع. واحتشدت قوات الجيش حول آخر مجموعة من المدن التي يسيطر عليها الأكراد في شمال شرق سورية في وقت سابق، بالتزامن مع إعلان الرئيس الشرع بشكل مفاجئ عن وقف إطلاق النار، وإمهال قوات سورية الديمقراطية لوضع خطة للاندماج مع الجيش السوري. وتهدف المهلة إلى إقرار اتفاق شامل جرى التوصل إليه في 18 يناير كانون الثاني ينص على انضمام المؤسسات شبه المستقلة التي تديرها القوات الكردية في شمال شرق سورية منذ عقد إلى الدولة المركزية، وهو ما رفضته قوات سورية الديمقراطية خلال العام الماضي. وينص الاتفاق أيضاً على أن تسيطر الحكومة على عدد من السجون ومخيمات الاعتقال التي تديرها قوات سورية الديمقراطية، والتي تؤوي مقاتلين ومدنيين مرتبطين بتنظيم "داعش". وقال مسؤولون سوريون ومصادر في قوات سورية الديمقراطية: إنه من المرجح أن تمدد مهلة السبت لعدة أيام، وربما تصل إلى أسبوع. وقال هاكان فيدان وزير خارجية تركيا، التي تعد أقوى داعم أجنبي لحكومة الشرع وتعتبر قوات سورية الديمقراطية ذراعاً لحزب العمال الكردستاني المحظور: "قد يجري ضم مسألة تمديد وقف إطلاق النار لفترة أطول قليلاً إلى جدول الأعمال". وتمثل المواجهة المحتملة في شمال سورية ذروة التوتر المتصاعد على مدار العام الماضي. وسيطرت القوات الحكومية على سجن ومخيم اعتقال بعد انسحاب فوضوي لقوات سورية الديمقراطية منهما، وتمكن عدد من الأفراد المرتبطين بتنظيم "داعش" من الفرار لفترة وجيزة. ولتجنب أي خرق أمني، تفاوضت الحكومة السورية ليلاً على انسحاب المقاتلين الأكراد من سجن الأقطان في الرقة بشمال البلاد. وقال مسؤول حكومي سوري بارز لرويترز الجمعة: إن المفاوضات بشأن سجن الأقطان تنعش الآمال في أن يفضي الموعد النهائي المحدد أمس السبت إلى حل سياسي بدلاً من تجدد القتال. لكن المسؤول أضاف أن الحكومة لم تتلق رداً من قوات سورية الديمقراطية بشأن خطتها للدمج أو مرشحها لمنصب نائب وزير الدفاع، الذي طلب الشرع من القوات الكردية ترشيح شخص لتوليه. استعدادات عسكرية ذكرت مصادر في قوات سورية الديمقراطية الجمعة أن الموعد النهائي للرد ربما يجري تمديده، لكن المسؤول السوري نفى إجراء أي نقاش حول التمديد في الوقت الراهن. ورغم الآمال المعقودة في التوصل إلى حل من خلال التفاوض، كثف الطرفان استعداداتهما العسكرية. ويقول مسؤولون عسكريون سوريون: إنهم يجهزون قواتهم للمواجهة، وشاهد مراسلون من رويترز وصول آليات عسكرية وحافلات تقل مقاتلين إلى منطقة قريبة من مدينة الحسكة الخاضعة لسيطرة الأكراد، والتي عززت القوات الكردية مواقعها فيها. وذكرت مصادر دبلوماسية لرويترز أن مسؤولين بارزين من الولاياتالمتحدة، التي تضطلع بدور رئيس في الوساطة، ومن فرنسا التي تنسق أيضاً محادثات وقف إطلاق النار، دعوا الشرع إلى إبقاء قواته بعيدة عن المناطق المتبقية الخاضعة لسيطرة الأكراد. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية باسكال كونفافرو: "ندعو السلطات السورية إلى تحمل مسؤوليتها الكاملة في حماية جميع المدنيين، بمن فيهم المدنيون الأكراد". وتساعد الولاياتالمتحدة في نقل مقاتلي تنظيم "داعش" المحتجزين من سورية إلى العراق. وظلت واشنطن تدعم قوات سورية الديمقراطية لفترة طويلة لكنها تعتبر الشرع الآن شريكها الرئيس في سورية. وانسحبت قوات سورية الديمقراطية يوم الثلاثاء من مخيم الهول الذي يضم، إلى جانب مخيم روج، 28 ألف مدني معظمهم من النساء والأطفال الذين فروا من معاقل تنظيم "داعش". ومن بين هؤلاء الأشخاص سوريون وعراقيون و8500 يحملون جنسيات دول أخرى. وقال فرحان حق، نائب المتحدث باسم الأممالمتحدة: إن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تمكنت الجمعة من الوصول إلى مخيم الهول برفقة مسؤولين حكوميين سوريين، وإنها تسنى لها التواصل مع عدد من سكان المخيم. وأضاف حق: "استؤنف دخول الإمدادات الأساسية. كما دخلت شاحنات محملة بالخبز إلى المخيم، بتيسير من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بعد انقطاع دام ثلاثة أيام بسبب الوضع الأمني المتوتر داخل المخيم. كما تم تقديم خدمات نقل المياه بالشاحنات التي اضطلعت بها منظمة الأممالمتحدة للطفولة (اليونيسف)، مما أدى إلى استعادة الخدمات الأساسية جزئياً لسكان المخيم". وتمثل الخسائر السريعة التي منيت بها قوات سورية الديمقراطية خلال الأيام القليلة الماضية أكبر تحول في خريطة السيطرة داخل سورية منذ الاطاحة بالرئيس بشار الأسد في 2024. وتعهد الشرع، الذي قاد قوات المعارضة للإطاحة ببشار الأسد في أواخر عام 2024، بإخضاع كامل أراضي سورية لسيطرة الدولة، ومنها المناطق التي تسيطر عليها قوات سورية الديمقراطية في الشمال الشرقي. لكن السلطات الكردية التي كانت تدير مؤسسات مدنية وعسكرية مستقلة هناك على مدى العقد الماضي قاومت الانضمام إلى حكومة الشرع. وبعد انقضاء الموعد النهائي للاندماج في نهاية العام الماضي دون إحراز تقدم يذكر، شنت القوات السورية هجوماً هذا الشهر. ترميم ألف مدرسة في الرقة ودير الزور بدأت وزارة التربية والتعليم السورية تنفيذ برامج مكثفة لإعادة تأهيل المدارس المتضررة في المناطق المحررة حديثاً من قوات سورية الديمقراطية (قسد)، ولا سيما في محافظتي الرقة ودير الزور، تمهيداً لإعادتها إلى الخدمة مع بداية الفصل الدراسي الثاني، وضمان عودة آلاف الطلاب إلى مقاعدهم الدراسية. ونقلت الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) السبت عن مدير الأبنية المدرسية في وزارة التربية والتعليم محمد الحنون قوله: إن "لجاناً وزارية مختصة زارت المناطق المحررة حديثاً في محافظتي الرقة ودير الزور، ونفذت حملات تقييم للاحتياجات ومسحاً ميدانياً للأبنية المدرسية، تمهيداً للبدء بأعمال الترميم والتأهيل، بما يضمن جاهزية المدارس لاستقبال الطلاب مع بداية الفصل الدراسي الثاني". وبيّن الحنون أن عمليات المسح والتقييم تمت بالتنسيق مع الوزارات الأخرى وكل الجهات المعنية، حيث أظهرت النتائج وجود ألف مدرسة تحتاج إلى الترميم في المحافظتين، إضافة إلى العمل على سد النقص في الكوادر التدريسية وتأمين الكتب، والمستلزمات المدرسية اللازمة. وتشهد محافظتا الرقة ودير الزور عودة المؤسسات الخدمية بمختلف القطاعات للعمل بعد أن بسطت قوات الجيش العربي السوري منذ ال 17 من الشهر الجاري سيطرتها تباعاً على قرى وبلدات محافظة الرقة وريف دير الزور بعد تحريرها من "قسد" وحزب العمال الكردستاني "بي كيه كيه".