الأمن لا يُفرض من الخارج، بل يُبنى من الداخل عبر تمكين الإنسان، والسياسة الأكثر نجاعة في البيئات الهشّة هي تلك التي تجعل التنمية لغة مشتركة بين الدولة والمجتمع، وبهذا المعنى، لا تمثل المشروعات المعلنة نهاية مسار، بل بدايته الفعلية نحو يمن أكثر استقرارًا، وشراكة سعودية - يمنية قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، لا على إدارة الأزمات وحدها.. في لحظة إقليمية تتقاطع فيها اعتبارات الأمن مع ضرورات التنمية، أعاد إعلان المملكة عن حزمة مشروعات تنموية في اليمن صياغة النقاش حول طبيعة الدور السعودي وحدوده وأدواته، فالخطاب الذي قدّمته الرياض، مقرونًا بالإجراءات العملية على الأرض، ينطلق مقاربة سياسية - تنموية، وليس كما يعتقد بعض الواهمين من هنا وهناك، أن منطلق الأمر يتمثل في الإغاثة المؤقتة، أو قصيرة الأمد. ترى المملكة، أن الاستقرار الحقيقي لا يُصنع عبر الترتيبات الأمنية وحدها، وإنما عبر بناء البنية التحتية للحياة اليومية، وتمكين المجتمع اليمني من الصمود، وتحويل الدعم إلى أثر مستدام، وفي هذا السياق، برزت دلالات إعلان الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع، تعبيرًا سعوديًا واقعيًا عن انتقال واضح من إدارة الأزمة إلى هندسة التعافي. تتأسس هذه المقاربة على فهم عميق لطبيعة الأزمة اليمنية بكونها أزمة مركّبة، لا يمكن اختزالها في بُعديها السياسي أو العسكري، في سنوات الحرب وما خلّفته من تآكل في الخدمات الأساسية، خصوصًا في الطاقة والمياه والصحة والتعليم، جعلت أي مقاربة أمنية معزولة عن التنمية مقاربة ناقصة بحكم الواقع، ومن هنا، جاء الإعلان عن مشروعات بقيمة 1,9 مليار ريال سعودي، موزعة على قطاعات حيوية ومحافظات متعددة، ليؤكد أن المملكة لا تتعامل مع اليمن فقط كملف تفاوضي، بل كفضاء إنساني وتنموي يحتاج إلى إعادة بناء متدرّجة ومدروسة. الأهمية السياسية لهذه المشروعات تكمن في طبيعة القطاعات التي استهدفتها، فاختيار الطاقة والمياه والصحة والتعليم يعكس إدراكًا سعوديًا أن هذه القطاعات تشكّل الأعمدة الأربعة لأي استقرار اجتماعي واقتصادي، كما أن دعم مشتقات الوقود لمحطات الكهرباء في مختلف المحافظات، يفتح المجال أمام عودة النشاط الاقتصادي، ويعيد الثقة للمجتمع المحلي في قدرة الدولة على توفير الحد الأدنى من الخدمات. وهو ما يجعل الطاقة هنا أداة استقرار سياسي غير مباشرة. وفي الإطار نفسه، يكتسب افتتاح أول محطة تحلية مياه في اليمن دلالة استراتيجية تتجاوز بعدها الخدمي، فشح المياه أحد أخطر التحديات البنيوية التي تواجه "يمن الإيمان والحكمة"، ومعالجته عبر تحلية المياه ونقل التقنيات السعودية المتقدمة يضع أساسًا طويل الأمد للأمن المائي، ويحد من استنزاف الموارد الجوفية، ويمنح الدولة اليمنية مستقبلًا مختلفًا في إدارة هذا الملف الحساس، كما أن نقل المعرفة التقنية هنا لا يقل أهمية عن إنشاء المحطة نفسها، لأنه يرسّخ مفهوم الشراكة التنموية لا الاعتماد الدائم. أما في قطاع الصحة، فتظهر المقاربة السعودية بوضوح من خلال ضمان استمرارية تشغيل المستشفيات والمراكز الطبية الكبرى، وفي مقدمتها مستشفى الأمير محمد بن سلمان، ومدينة الملك سلمان الطبية والتعليمية، إضافة إلى إنشاء مستشفى حضرموت الجامعي، وللعلم، فإن هذه المشروعات لا تعالج فجوة طبية آنية فقط، بل تسهم في بناء منظومة صحية قادرة على الصمود، وتخفيف الضغط الإنساني الذي طالما استُخدم كورقة ضغط سياسية من أطراف متعددة داخل المشهد اليمني. وتحمل سرعة تدخل المملكة لدعم بعض المستشفيات في شبوة والمخا رسالة بالغة الأهمية، فهي تؤكد، أولًا، أن الرعاية الصحية للشعب اليمني ليست رهينة للتجاذبات أو الانسحابات، وثانيًا، أنها تتعامل مع الملف الإنساني كالتزام أخلاقي وسياسي مستقل، وهو ما يليق "بمروءة المملكة أولًا"، ثم إن هذا السلوك يعزز من صورة الرياض كفاعل مسؤول، ويعيد توجيه البوصلة، إلى منطق المسؤولية الإقليمية. ولا يمكن فصل هذا كله عن الإطار المؤسسي الذي تُدار من خلاله هذه المشروعات، والمتمثل في البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن. فمنذ تأسيسه عام 2018، قدّم البرنامج أكثر من 240 مشروعًا مكتملًا، وهو ما يمنح الموجة الجديدة من المشروعات مصداقية عملية، ويحوّلها من وعود سياسية إلى مسار تنفيذي تراكمي، وهذا التراكم هو ما يميّز النموذج السعودي. في المحصلة، يعكس الإعلان الأخير تحوّلًا نوعيًا في طريقة مقاربة المملكة للملف اليمني، انتقالًا من إدارة تداعيات الأزمة إلى الاستثمار في شروط ما بعدها، وهي مقاربة تفهم أن الأمن لا يُفرض من الخارج، بل يُبنى من الداخل عبر تمكين الإنسان، وأن السياسة الأكثر نجاعة في البيئات الهشّة هي تلك التي تجعل التنمية لغة مشتركة بين الدولة والمجتمع، وبهذا المعنى، لا تمثل المشروعات المعلنة نهاية مسار، بل بدايته الفعلية نحو يمن أكثر استقرارًا، وشراكة سعودية - يمنية قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، لا على إدارة الأزمات وحدها.. دمتم بخير.