يُعد ما يُعرف ب«قرص المَلّة» أو «خبز الجمر المدفون» واحدًا من أكثر الأطعمة الشعبية ارتباطًا بالرحلات البرية وأجواء الشتاء في البيئة المحلية، حيث يجتمع الناس حول النار، وتُحضّر العجينة على عجل، ثم تُدفن في الجمر أو توضع على الصاج وتُغطّى بالفحم المشتعل، في مشهد يحمل الكثير من الدفء والحنين والبساطة. هذا الخبز، على الرغم من بساطة مكوناته، إلا أنه يحمل دلالات ثقافية واجتماعية عميقة، جعلته حاضرًا في الذاكرة الشعبية ومحببًا لدى شريحة واسعة من الناس. يرى مهتمون بالتراث الشعبي أن خبز الملة يمثل نموذجًا حيًا للاعتماد على الذات، حيث يصنعه الشخص بنفسه دون أدوات معقدة، مستفيدًا من النار التي كانت ولا تزال عنصرًا أساسيًا في حياة البادية والرحلات. كما أن طقوس إعداده، من عجن العجين إلى دفنه في الجمر وانتظار نضجه، تُعد جزءًا من متعة الرحلة، وتُضفي على الطعام قيمة معنوية تتجاوز كونه مجرد خبز يُؤكل مع السمن أو العسل. في المقابل، يلفت مختصون في التغذية والصحة العامة إلى أن طرق إعداد خبز الجمر تثير عددًا من التحفظات الصحية، خصوصًا عندما يلامس الفحم المشتعل العجينة بشكل مباشر أو يتعرض الخبز لدخان الاحتراق لفترات طويلة. إذ إن احتراق الفحم قد ينتج عنه مركبات كيميائية ضارة، من بينها غازات قد تؤثر على الجهاز التنفسي والدورة الدموية، إضافة إلى مركبات أخرى معروفة بتأثيراتها السلبية على القلب وانتظام نبضاته. ويشير مختصون أيضًا إلى أن تعرّض الخبز لدرجات حرارة عالية جدًا مع وجود الاحتراق غير الكامل للفحم قد يؤدي إلى تكوّن مركبات مسرطنة، من أشهرها الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، وهي مواد ارتبطت في دراسات علمية بزيادة مخاطر الإصابة ببعض الأمراض عند التعرض المتكرر لها. وتزداد هذه المخاطر في حال تكرار تناول هذا النوع من الخبز أو تحضيره بطرق غير آمنة، خصوصًا مع التصاق بقايا الفحم أو الرماد بسطح الخبز. من جهة أخرى، يرى بعض المهتمين بالصحة أن المشكلة لا تكمن في خبز الملة ذاته، بل في طريقة إعداده وكثرة تناوله، مؤكدين أن الاعتدال وتحسين الأسلوب المستخدم في الطهي قد يخففان من هذه المحاذير. فهناك من يفضّل وضع العجين في رقائق مخصصة للطهي أو في أوانٍ مناسبة تقلل من ملامسة الجمر المباشرة، أو الاعتماد على الصاج مع التحكم في مصدر الحرارة، وهي محاولات تهدف إلى الحفاظ على النكهة الشعبية مع تقليل الأضرار المحتملة. وعلى الصعيد الشعبي، يدافع محبو خبز الجمر عنه باعتباره جزءًا من الموروث الذي لا يمكن فصله عن الرحلات البرية والشتاء، ويرون أن تناوله على فترات متباعدة لا يشكل خطرًا كبيرًا، خصوصًا إذا كان الشخص يتمتع بصحة جيدة. كما يؤكدون أن كثيرًا من الأكلات الشعبية واجهت انتقادات صحية عبر الزمن، لكنها بقيت حاضرة بسبب ارتباطها بالهوية والذاكرة الجمعية. يبقى خبز الملة بين رأيين، رأي صحي يحذر من الإفراط ومن طرق الإعداد التقليدية التي قد تحمل مخاطر، ورأي شعبي يرى فيه رمزًا للبساطة والدفء والالتقاء حول النار. وربما يكون الحل في التوازن بين الحفاظ على التراث وتطوير الممارسات بما يضمن سلامة الإنسان دون التفريط في روح العادة. في النهاية، يظل الوعي هو الأساس، فالاستمتاع بالموروث الغذائي لا يتعارض مع الحرص على الصحة، متى ما كان ذلك بوعي واعتدال.