قال إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور عبدالله بن عواد الجهني -في خطبة الجمعة-: سورة من سور القرآن الكريم، وهي ثلاث آيات وأربع عشرة كلمة، وثمان وستون حرفًا، نزلت بعد سورة الشرح، تمثل منهجًا إسلاميًا متكاملًا، وترسم نظامًا شاملًا للبشر، وتنقذ الإنسان من رَدغة الخسران، وتبين وظيفته التي ربّى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا- أمته عليها، وهي سورة العصر، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: "وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ". وأضاف: فالعصر هو الدهر، وهو الزمان الذي تقع فيه حركات بني آدم، والمشتمل على الأعاجيب التي تحيط به في زمنه، تقع فيه السراء والضراء، والصحة والمرض، والغنى والفقر، والعز والذل، والطاعة والمعصية، والنوم واليقظة، والغفلة والصحوة، والاجتماع والافتراق، والعمل والكسل، والربح والخسارة، والحياة والموت. وتابع: الزمان مركب الإنسان إلى الآخرة يحمله ويحمل متاعه وبضاعته، وهو مزرعة الأعمال، فكل يوم يمر على الإنسان يقدمه إلى الآخرة، ورأس مال الإنسان عمره، فإذا أضاعه في اللهو واللعب فهو خاسر، فأي خسارة أعظم من حرمانه من مناجاة ربه، وكل الناس يغدو فمعتق نفسه أو موبقها، فهو مستودع أعمال العباد خيرها وشرها. وأشار إلى أن حياة الإنسان إما أن يصرفها في المعاصي وذلك أقبح الخسران وأشده، وإما أن يصرفها في المباحات، فإذا صرفها في الطاعات فإن مراتب العبادة والخشوع متفاوتة، فما من طاعة إلاّ ويمكن الإتيان بها بصورة أفضل وأكمل، فهو وإن كان رابحًا إلاّ أنه يحس بفوات ربح أكبر فيندم ويحس بالخسران، وعلامة الربح حب الآخرة وإيثارها على الدنيا وعلامة الخسران حب الدنيا وإيثارها على الآخرة، والوسط فيه النجاة. وبيّن أن رأس مال الإنسان في هذه الدنيا هو عمره، واللحظة التي تمر من عمره لن تعود ثانية، فكل واحد منا يذوب رأس ماله، وهو الوقت الذي تحيا فيه قبل أن ينتهي الأجل. ولفت النظر إلى أن في صخب الحياة وخضمها المتلاطم بموجات الخسران والضلال يظهر عباد الله المخلصون ورجال صالحون وأولياء متقون آمنوا بربهم إيمانًا حملهم على التقوى والهدى، وحبب إليهم الحق، وزينه في قلوبهم ورغبهم في العمل الصالح وحال بينهم وبين اتباع الهوى، فكان هذا الإيمان وقاية لهم من الشر وقائدًا لهم إلى الخير.