لم يكن الراديو مجرد جهازٍ- تطور من «الترانزستور والشحن بالبطارية إلى الراديو الرقمي» - يتوسط صدر مجالسنا «بل كان»صندوق الدنيا«الذي نطلّ منه على الكون الفسيح، ورفيقاً حميماً شاركنا أدق تفاصيل حياتنا في ذلك الزمن الجميل. كان للأثير هيبة لا تضاهى؛ فمع دقات ساعة»بيج بن«وزلزلة الراديو بصوت مديحة المدفعي وهي تعلن»هنا لندن«أو سماع أحد مذيعي البرنامج العام المصري يقول»هنا القاهرة«مقلدا أول من قالها» المذيع أحمد سالم «أو»هنا الرياض«وهي تصدح جريا على عادة» المذيع محمد الشعلان «مطلقها الأول، كان الصمت يفرض نفسه، وتشرئب الأعناق بإنصات مهيب. عشنا مع الراديو حالة من " الخيال البصري" ، حيث رسمنا ملامح المذيعين في مخيلاتنا، وشيدنا قصوراً من الأحلام خلف أصواتهم الرخيمة. مَن منا ينسى طقوس الصباح مع»فيروز«أو نصائح»أبلة فضيلة«في صوت العرب" أو حكمت وهبي في " مونت كارلو" وهو يداعب المستمعين بصوته الذهبي وفصلاته المداعبة، أو برنامج" أهلا بالمستمعين" و " استراحة الخميس " الذي قدمه خالد الشهوان وعبدالعزيز العيد. ومن لا يتذكر سهرات المساء التي كانت تضوع بعبق القصائد في إذاعة الرياض و " ونة قلب" لمحمد الرشيد و " همس النسيم " لماجد الشبل، أو برنامج " من القائل" للأديب عبدالله بن خميس ومثله برنامج " قول على قول" لحسن الكرمي في راديو لندن ، والنقد الاجتماعي لعبدالله المحيلان بإذاعة الكويت. كان الراديو مدرسة ونحن ننتظر برامجه، أتذكر برنامجي المفضل«على الناصية" لأمال فهمي، وبرنامج «زيارة إلى مكتبة فلان" لنادية صالح في إذاعة البرنامج العام المصري. كم كان يعلمنا الراديو الرقيّ ونحن نستمع للغة عربية فصحى تنساب كالسلسبيل على لسان فاروق شوشة و"برنامجه لغتنا الجميلة ". كانوا مدارس متحركة كأيوب صديق ،هدى الرشيد، جميل عازر، غالب كامل، حسين نجار. اليوم، ورغم صخب المنصات الرقمية وتعدد الشاشات، يبقى الحنين إلى وشوشة الراديو وصوت البكرة وهي تبحث عن تردد ضائع ،جزءا من هويتنا. الحنين إلى الراديو هو في جوهره حنين إلى البساطة التي شكلت وعينا، إلى زمن كانت فيه الكلمة تبني وطنا عبر برامج الراديو، عندما كان الصوت يجمع أمة من المحيط إلى الخليج على نبض واحد..هنا الرياض .. هنا الكويت .. هنا القاهرة .. هنا لندن هنا...إلخ.