شهدت الثقافة عبر الزمن انغلاقاً داخل دوائر محدودة أعادت إنتاج نفسها، حتى بدا المشهد أقرب إلى نخبوية موروثة منه إلى حراك ثقافي مفتوح، وكان الأمل أن تقود التحولات الوطنية تلك الممارسة الثقافية إلى أفق أوسع يقوم على الكفاءة، والتنوع، واكتشاف الطاقات الجديدة. غير أن الملاحظ في بعض التجارب الثقافية اليوم استمرار منطق الدوائر المغلقة عبر تدوير الخطابات والذائقة نفسها، بما يجعل كثيراً من الفعاليات وشخوصها متشابهة في الشكل والمضمون، وهنا تتجلى المشكلة في طريقة إدارة الثقافة حين تُبنى على اعتبارات معينة أكثر مما تُبنى على الرؤية والمشروع والمغامرة المعرفية التي تصب في رصيد الوطن بما يخدم توجهاته وتطلعاته. فالثقافة - بوصفها مشروع دولة ورؤية مستقبل - لا تزدهر إلا حين تُفتح أبوابها مشرعة للأجيال الجديدة، وللتخصصات المهمشة، وللأصوات المختلفة، وللمناطق البعيدة عن المركز، وفي هذا المناخ الثقافي الذي نعيشه - فيما أراه- لا يشعر المثقف الشاب أن هناك أفقا يستحق المغامرة، ولا يشعر المبدع المختلف أن هناك روحا تتبنى اختلافه، بل يترسخ الإحساس بأن الدخول إلى المشهد لا يمر عبر الفكرة ولا المشروع، بل عبر القرب من الدائرة. فصناعة الثقافة تتطلب تغيير الأسئلة، وكسر السرديات الجاهزة، وتأسيس ذائقة جديدة ومختلفة، وخلق حراك ثقافي على مستوى المجتمع بأطيافه المتعددة والمتنوعة. إن النقد هنا ليس رفضا لوجود تلك الخبرات، ولا إنكارا لما تحقق من منجزات، بل هو دعوة صريحة إلى مراجعة عميقة لفلسفة العمل الثقافي حتى لا يتحول إلى جهاز يعيد إنتاج ذاته، دون تغيير جوهري ملموس، ما يصنع معه ركودا رمزيا تتكرر فيه اللغة وتتشابه العناوين والوجوه والأدمغة، وتغيب فيه قوة التأثير والحضور، فالمراجعة الجادة لفلسفة العمل الثقافي مطلب رئيس محوره سؤال محوري: هل نصنع مشهدا ثقافيا جديدا فعلا، أم نوسع مشهدا قديما يبتعد عن لغة العصر؟ فالثقافة، في جوهرها، فعل حياة، وتضخم مؤسساتها لن يعوض غياب روحها الفاعلة.