تتبنَّى شركة Meta العريقة نموذجًا متطورًا لذكاء اصطناعي يُحاكي دماغ البشر بدقة عالية أثناء فحصه للصور. نُشرت النتائج في ورقة علمية واستعرضت عدّة نقاط مهمة تستحق النقاش. الذكاء الاصطناعي يتقدَّم بشكل مذهل، ويتلقى دعمًا سخيًا من كُبرى الشركات التقنية مثل Google و Meta و Microsoft وغيرها من الشركات المتخصصة حول العالم. ولا يخفَى على متابع التنافسية العالية في استقطاب ألمع العقول لقيادة المستقبل في هذا المجال الواعد. فقد أعلنت Google عن استثمارات رأسمالية تزيد على 85 مليار دولار لعام 2025م في البنية التقنية ومراكز البيانات. في المقابل أعلنت Meta عن استثمارات بحوالي 72 مليار دولار للعام ذاته. وهي أرقام -تزيد أو تنقص قليلًا- ترتبط بتقدّم أو تعثّر المشاريع على أرض الواقع. نتائج مشابهة لقدرات الدماغ بالعودة إلى الورقة البحثية، ولمعرفة كيف استجاب نموذج DINOv3 للصور بالمقارنة مع طبيعة الدماغ البشري، تم استخدام تصوير fMRI لقياس نشاط الدماغ، وتصوير MEG لتحديد الإطار الزمني لذلك النشاط. ومطابقتها مع مخرجات نموذج DINOv3 المطوّر بواسطة Meta في مختبر FAIR التابع لها. جاءت النتائج على النحو التالي -الورقة العلمية لم تخضع لمراجعة الأقران Peer Review بعد-: تفاعل نموذج الذكاء الاصطناعي DINOv3 خلال 3 ثوانٍ فقط مع الصور (نموذج غير مدرَّب من قبل)، وأظهر أنماطًا تُشبه إلى حد كبير الأنماط التي يشتغل بها الدماغ في تحليله الأولي للصور. ومع التدريب المستمر، يُظهِر النموذج قدرة رائعة على التفكير المتقدّم كما يحدث في القشرة الجبهية Prefrontal Cortex للدماغ، لكنه يحتاج إلى المزيد من التدريب ليُظهر كفاءة مقاربة. قراءة الأفكار واقع أم خيال؟! هل يُعد هذا النوع من الأبحاث مدخلًا لقراءة أفكار البشر؟ الإجابة بشكِل عام: لا. السؤال التالي، هل يُمكن القيام بذلك في المستقبل؟ ربما! لنناقش بعض التفاصيل الفنية لمعرفة ما وراء كلمة «ربما». تقوم أجهزة التصوير مثل MEG و fMRI بالتقاط الإشارات الكهربائية والتدفق الدموي للمناطق النشطة بالدماغ. وفي أثناء الاختبارات، يتم عرض مجموعة من الصور على المتطوعين لمئات المرات لرصد وتسجيل إشارات أدمغتهم. وبعد الانتهاء من هذه الخطوة، يتم ربط الصورة بأنماط إشاراتها وتدريب الذكاء الاصطناعي على فهمها؛ وهذا ما يساعد لاحقًا في -توقُّع- ما يتم مشاهدته من النمط المرصود. إن الأجهزة المتاحة لتسجيل إشارات الدماغ محدودة بنطاق لا يمكن تجاوزه، كما أن الإشارات الكهربائية في الدماغ منخفضة -بطبيعتها- وتتداخل بسهولة مع الأصوات الأخرى، ولا يمكن رصدها بسهولة؛ لهذا السبب يتم استعراض الصور على المتطوعين مئات المرات للخروج بإشارة واضحة قدر الإمكان. ولذات السبب أيضًا، لا يمكن قراءة الأفكار الداخلية بسبب صعوبة رصد الإشارات الضعيفة جدًا لها. «ربما» سيتمكن العلماء في المستقبل من إيجاد حلول تقنية تساعد على استخراج إشارات نقية من أفكارنا، وتكبيرها، وعزلها عن التداخل مع الأصوات الأخرى؛ وبالتالي إيجاد نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على اختراق أفكارنا دون أن نتحدث عنها! حماية أفكارنا من السرقة يبدو أن الأوروبيين قد لمحوا المستقبل مبكرًا من خلال إصدار لوائح وأُطر عامة لحماية البيانات GDPR ؛ إذ قاموا بتضمين البيانات العصبية التي -قد- يندرج تحتها «اختراق وقراءة الأفكار»، وتصنيفها على أنها «حساسة ومقيدّة» وتخضع لضوابط استخدام مشددّة. الجانب المضيء -طبيًا- لهذه التقنيات هو إمكانية زراعة أقطاب كهربائية في دماغ المريض المشلول كليًا، وربط الإشارات بالذكاء الاصطناعي لتحويلها إلى كلمات مقروءة أو مسموعة. وقد أتطرّق في مقالة أخرى -إن شاء الله- إلى الجوانب المضيئة الأخرى.