أولى العلماءُ الأوائلُ العنوانَ أهمية بالغة؛ نظراً لقيمته العالية في الكشف عن المضمون، والإبانة عن المحتوى، والتعريف بالشيء، وكانوا أكثر ما يُعنَون به عُنوان الكتاب، أي الخطاب، أو الرسالة؛ وقد ورد في معجم (كتاب العين) للخليل بن أحمد الفراهيدي (170ه) «والعنوان: عنوان الكتاب، وفيه ثلاث لغات: عنونت، وعننت وعينت، وعنوان الكتاب مشتق من المعنى، يقال. عني: عناني الأمر يعنيني عناية فأنا معني به. واعتنيت بأمره»، قال: «ويقال: علوان الكتاب، وأظنه غلطا، وإنما هو عنوان». وقد ذكر أبو بكر محمد بن يحيى الصولي (335 ه) في كتابه (أدب الكتاب) كلاماً جيداً في التعريف بالعنوان، وبيان غايته، حيث قال: «يقال عنوان الكتاب، وعنونته، وهي اللغة الفصيحة. وبعضهم يقول: علونت، فيقلب النون لامًا؛ لقرب مخرجهما من الفم؛ لأنهما يخرجان من طرف اللسان، وأصول الثنايا العليا. وقد قيل: العلوان فعوال من العلانية؛ لأنك أعلنت به أمر الكتاب، وممن هو؟ وإلى من هو؟ وسمعت أحمد بن يحيى يقول: أعلن أمرنا علونا وعلنا. والعنوان العلامة، كأنك علّمته، حتى عرف بذكر من كتبه، ومن كتب إليه». ويُلمِح الصوليُّ إلى أمر مهم جداً في مسألة العنونة، وهي النظر إلى معالمه السيميائية، وغاياته التداولية، فيقول: «قالوا: والأحسن في عنوان الكتاب إلى الرئيس، أن يعظم الخط ويفخمه، إذا ذكرت كنيته، أو نسبته إلى شيء، وأن تلطف الخط في اسمك، واسم أبيك وتجمعه. وقال المحققون من الكتبة: إن في ذلك إخلالا للمكتوب له، وفي مخالفته غضّ منه، وتطاول عليه. وإن كانت آخر الكلمة ياء مثلاً، كأبي علي، وأبي عيسى، وأبي يحيى، وأبي يعلى، غرقت الياء إلى قدّام، ولم تردّها إلى خلف، فقد حُكِي في ذلك شيء مليح». إن هذا الاعتناء بتفاصيل العنوان يجعلنا أمام موضوع عميق، فليس العنوان تعريفاً بالشيء فحسب، أو ذكراً له، أو دلالة عليه، بل ينبغي أن يكون أعمق من ذلك، بأن يدل على المعنى دلالة دقيقة، فلا يكون العنوان أكبر من مضمونه، ولا أصغر، ولا أن يكون أوسع من معناه، أو أضيق، فقد رأيت في عنوانات بعض الأبحاث العلمية - مثلاً - نماذج لا تتسق فيها العناوين مع مضمون البحث، أو الرسالة العلمية، وبعضها تكون دالة على معنى أكبر من المقصود، كما لو كان العنوان مثلاً: «الشعر في التراث العربي»؛ فهذا العنوان القصير والضيق قد لا يستطيع مؤلفه الوفاء به بشكل علمي منظم؛ لأنه سيصطدم بإشكالات زمنية، ومكانية، وموضوعية، فالعمق التاريخي، والطول الزمني، والكثافة الموضوعية، والتراكم المعرفي، أمور تجعله قاصراً دون تحقيق غاياته. وقد رأيت بعض الباحثين يلجأ إلى تعمية العنوان، فيموّه في عنوانه، وتلك حيلة قد يكشف عنها المحتوى، أو المعنى، وهنا أذكر أنني كنتُ أشتغل في مجال أدب الخاطرة، فوقع نظري على كتاب ظننته يؤسس لهذا الفن، حيث جعل صاحبه عنوانه (أدب الخاطرة)، لكنه أخفى عبارة (عند فلان) في الصفحة الداخلية، وقد رأيت هذا الصنيع عند غير واحد، وهو مسلك تجاري فيما يظهر، غير أنه ينافي فكرة تناسق العنوان. وينسحب الأمر على العنوان غير العلمي، كعنوان الأسماء، والصحف، والمجلات، والمحال، والأسواق، والشركات، والمؤسسات، والمصانع، والإعلانات، والمواقع الإلكترونية، وما شابه ذلك مما يكون العنوان فيه دالاً، فإن الأولى والأجدى النظر إلى دلالة العنوان أولاً، ثم جماله وتناسقه ثانياً، ثم عمقه وتأثيره ثالثاً، إضافة إلى وضوحه، ومناسبته لعصره ومجتمعه، وعندئذٍ سوف يصبح العنوان أكثر جذباً، وتشويقاً، وانسجاماً.