في صمت الرمال، وبين تضاريس الصخر، وجنون التنوع تتحدث المملكة العربية السعودية بلغة التاريخ، وموطن الحضارات المتعاقبة، وشاهد حي على ولادة الإنسان، وتطور العمران، وتلاقي الثقافات. تسعى المملكة، من خلال رؤية 2030، إلى إعادة تعريف موقعها الحضاري عالميًا كأرض زاخرة بالإرث الإنساني، والمادي والطبيعي، وقد باشرت الجهات المختصة، كمنظومة الثقافة، في خطوات نوعية للحفاظ على الآثار، وتسجيلها في قائمة التراث العالمي (اليونسكو)، لتصبح هذه المواقع رواة لقصة وطن لم ينقطع عن التاريخ. في شمال منطقة القصيم، وعلى أرضٍ تشبّعت بالزراعة والماء والحكايات، تقف قرية الخبراء الأثرية شاهدًا عمرانيًا متكاملًا على نموذج البلدة التقليدية في المملكة العربية السعودية، وكيانًا اقتصاديًا وزراعيًا ودفاعيًا لعب دورًا محوريًا في تاريخ القصيم، واحتفظ حتى اليوم بملامحه الأصيلة كما شُيّدت قبل قرون. تمتد الخبراء القديمة على مساحة تقارب 120 ألف متر مربع، تتفرع منها أربعة شوارع رئيسة بعرض ستة أمتار، تحيط بها الأحياء في نسق دائري دقيق، وتطوّقها مزارع النخيل من كل الجهات. «خبراء السدر» عُرفت الخبراء قديماً باسم خبراء السدر، نسبةً إلى كثافة أشجار السدر التي ميّزت بيئتها الطبيعية، وهو اسم يعكس وفرة الماء وخصوبة الأرض قبل أن تتشكل البلدة بصورتها العمرانية المعروفة، وقد اختلف المؤرخون في تاريخ بداية عمارتها؛ فبعضهم يرجعها إلى عام 995ه، بينما يرى آخرون أن عمارتها بدأت عام 1115ه أو 1140ه، إلا أن جميع الروايات تتفق على قدم الاستيطان واستمراريته، وأن أول بئر حُفرت فيها كانت عام 1009ه، في إشارة مبكرة إلى مركزية الماء في نشأتها. «بين الزراعة والماء» كانت الخبراء واحدة من أهم البلدات الزراعية في شمال القصيم، حيث عمل غالبية سكانها في الزراعة ورعي الإبل، واشتهرت بمحاصيل التمر والحبوب، وكانت تُروى من آبار سطحية متوسطة العمق يبلغ عمقها نحو خمسين قدمًا، عُرفت باسم «الخبراء»، وقد بلغ عدد الآبار داخل سور العقدة وحده نحو 210 آبار، يُستخرج منها الماء باستخدام السواني، في مشهد يومي يجمع بين الجهد البشري والموارد الطبيعية، ويعكس نمط الحياة الزراعية المستقرة التي ميّزت البلدة. «عبقرية التحصين» تميّزت قرية الخبراء ببنية دفاعية نادرة؛ إذ أُحيطت بسورين متكاملين. السور الأول، المعروف باسم العقدة، كان يحيط بمنطقة السكن والمزارع، وعلى امتداده بُني برج مراقبة كل 200 متر، يتكون من ثلاثة أدوار دائرية مزوّدة بثقوب للرمي. يبلغ قطر سور العقدة قرابة كيلومتر واحد، وارتفاعه ستة أمتار، وسمكه 80 سم من الأسفل و40 سم من الأعلى، وله أربعة أبواب رئيسة. داخل هذا السور، شُيّد سور المباني، وهو سور دائري بقطر يقارب الكيلومتر، يضم أربعة أبواب واثني عشر برجًا، وبُني أساسه من الحجر والطين ليمنح البلدة صلابة إضافية، في تجلٍّ واضح لفهم أهلها لمتطلبات الأمن والدفاع. «في وجه الحملات» وُصفت الخبراء بأنها حصنٌ حصين، وقد أثبتت ذلك خلال فترات الاضطراب السياسي، مما أعطاها قوة صمود ومكان آمان لساكنيها وسور ثقة ضد أي توتر قد ينشب وما في ذلك من غارات قد تكون فيها القرية مستهدفاً للعدو. «معالم تحكي تفاصيل الحياة» تزخر البلدة بمعالم أثرية تعكس تفاصيل الحياة اليومية والدينية والاقتصادية، من أبرزها المسجد الجامع، وسوق المجلس الذي يضم أكثر من خمسين دكانًا، إضافة إلى البرجين الشرقيين المتصلين ببقايا سور العقدة، والبرج الشمالي، والمقبرة القديمة، ومن معالمها المدرسة العسكرية التي أُنشئت في منتصف السبعينات الهجرية ثم تحولت إلى مدرسة نظامية، في دلالة على تطور الوظائف داخل النسيج العمراني. هكذا تبقى قرية الخبراء التراثية سجلًا مفتوحًا للذاكرة، بلدةً صاغها الطين والماء والدفاع والعمل، وحملت في جدرانها تاريخًا يُرى في التخطيط، ويُلمس في التفاصيل، ويُستعاد بوصفها أصلًا عمرانيًا لمعظم حواضر رياض الخبراء والبدائع، وواحدة من أثمن شواهد القصيم على توازن الإنسان مع المكان.