مع مطلع عام 2026، تدخل المنطقة مرحلة تتسم بارتفاع منسوب التعقيد السياسي والأمني، حيث تتداخل الأزمات، وتتقاطع المصالح، وتزداد محاولات اختبار قدرة الدول على حماية أمنها واستقرارها. وفي قلب هذا المشهد المتغير، تبرز السعودية بوصفها دولة تُدير سياستها الخارجية بمنهج متزن، يجمع بين الحكمة في القرار، والنضج في قراءة التحولات، والحزم حين يقترب أي تهديد من أمنها الوطني أو من استقرار الإقليم. ما يميز السياسة السعودية في هذه المرحلة أنها لا تنطلق من ردود الأفعال، ولا من حسابات ظرفية، بل من رؤية استراتيجية طويلة المدى ترى أن الاستقرار لا يُصنع بالصدام الدائم، ولا يُحمى بالتردد، بل بإدارة دقيقة للتوازنات، تحمي المصالح، وتمنع تمدد الفوضى، وتغلق المسارات التي قد تتحول إلى تهديد مباشر للأمن الوطني. من اليمن إلى السودان، ومن القرن الإفريقي إلى غزة، تتعامل السعودية مع الملفات الإقليمية بوصفها أجزاء من معادلة واحدة. فاليمن، على سبيل المثال، لم يعد مجرد صراع داخلي، بل ساحة تتداخل فيها الحسابات الأمنية والسياسية، ويمكن أن تنعكس تداعياتها مباشرة على أمن المملكة وحدودها الجنوبية وممرات الطاقة. ومن هنا، جاء التعاطي السعودي قائمًا على تثبيت الأمن، ودعم المسار السياسي، ومنع أي محاولات لفرض وقائع عسكرية تُحوّل الفوضى إلى تهديد دائم للأمن الإقليمي. وفي السودان، حيث تستمر الحرب وتتفاقم الكلفة الإنسانية، تنظر السعودية إلى الأزمة من زاوية أوسع تتجاوز الداخل السوداني. فدولة تقع على البحر الأحمر، وتمتلك هذا الوزن الجغرافي، لا يمكن تركها رهينة صراع مفتوح أو اقتصاد حرب طويل الأمد. لذلك، تتحرك الرياض بمنطق منع تفكك الدولة، واحتواء تداعيات النزاع، والحيلولة دون تحوّل الأزمة إلى ثغرة أمنية تمس الملاحة البحرية واستقرار الإقليم. أما في الصومال والقرن الإفريقي، فتتجلى حساسية الجغرافيا السياسية بشكل أوضح. فمحاولات إعادة رسم الخرائط، أو شرعنة كيانات موازية خارج إطار الدولة، لا تُهدد دولة بعينها فحسب، بل تمس أمن البحر الأحمر وخطوط التجارة العالمية. وفي هذا السياق، يأتي الموقف السعودي الداعم لوحدة الدول وسيادتها ضمن رؤية أمنية شاملة، تهدف إلى منع أي فراغ سياسي أو أمني قد يُستغل لتهديد الاستقرار الإقليمي. وفي الملف الفلسطيني، تحافظ السعودية على مقاربة متوازنة تجمع بين البعد الإنساني والرؤية السياسية. فتكثيف جهود الإغاثة وتخفيف معاناة المدنيين في غزة ليس موقفًا عاطفيًا فقط، بل جزء من إدراك عميق بأن الكلفة الإنسانية تشكل أحد مفاتيح الاستقرار أو الانفجار في المنطقة. وفي الوقت ذاته، يبقى التمسك بحل سياسي عادل وشامل هو الضامن الحقيقي للاستقرار، لا الحلول المؤقتة التي تُبقي جذور الصراع قائمة وتفتح الباب أمام جولات جديدة من التوتر. وسط هذه الملفات المتشابكة، لا تغيب القوة عن معادلة السياسة الخارجية السعودية، لكنها تُوظف بوصفها قوة ردع وقائية، لا أداة تصعيد. فحين يقترب أي تهديد من الأمن الوطني السعودي، أو يحاول العبث باستقرار المنطقة، تكون المملكة واضحة في حماية مصالحها وحدودها، ومنع نقل الفوضى إلى داخلها أو إلى محيطها الحيوي. وهنا يتجلى الفارق بين القوة المسؤولة والقوة المغامِرة؛ فالسعودية لا تستخدم قوتها لفرض أزمات جديدة، بل لمنع نشوء أزمات أخطر، ولضبط التوازنات قبل أن تتحول إلى تهديدات مباشرة تمس الأمن الوطني أو الإقليمي. مع بداية عام 2026، تقدم السعودية نموذجًا لدولة تُحسن إدارة نفوذها في بيئة إقليمية مضطربة. سياسة خارجية تُوازن بين الانفتاح والحزم، وتربط بين الاستقرار الإقليمي وحماية الأمن الوطني، وتستخدم القوة حين تفرضها الضرورة، لا حين تغري بها اللحظة. وتمضي السعودية بسياسة دولة تعرف كيف تُوازن بين الحكمة والحزم، وتدرك أن حماية الأمن الوطني ليست خيارًا مؤجلًا، بل أولوية تُدار بعقل استراتيجي وقدرة رادعة. وفي إقليم تتكاثر فيه مصادر التهديد، تظل المملكة نموذجًا لقوة مسؤولة، تحمي استقرارها، وتُسهم في ضبط توازنات المنطقة، وتثبت أن القيادة الحقيقية هي التي تصنع الأمن قبل أن تضطر للدفاع عنه.