اعتماد الرابع من يناير يومًا للاحتفاء بلغة برايل يقتضي، قبل أي شيء، تصحيح تصور شائع؛ فبرايل ليست لغة مستقلة بالمعنى اللساني، وإنما هي نظام ترميز كتابي (شفرة) يُستخدم لتمثيل اللغات الطبيعية المختلفة، ومنها العربية، عبر وسيط حسي بديل هو اللمس. فهي لا تُنتج لغة جديدة، بل تنقل اللغة ذاتها من المجال البصري إلى المجال اللمسي، محافظة على بنيتها ووظيفتها التواصلية والمعرفية. تعود هذه الطريقة إلى لويس برايل (1809–1852)، الذي طوّر نظامًا قائمًا على خلية مكوّنة من ست نقاط بارزة مرتبة ترتيبًا ثابتًا، تُشكَّل عبرها الحروف، والأرقام، وعلامات الترقيم، والرموز العلمية، والرياضية. ويتميّز هذا النظام بازدواجية وظيفية دقيقة؛ إذ يتيح القراءة والكتابة معًا، سواء بالوسائل اليدوية أو بالأدوات التقنية المخصّصة، بما يضمن استقلالية المستخدم وقدرته على إنتاج النص لا الاكتفاء بتلقيه. وتتجلّى الأهمية المعرفية لبرايل في كونها لا تمثل مجرد وسيلة تقنية للوصول إلى النص، بل تعيد تشكيل فعل القراءة ذاته. فالقراءة في هذا السياق ليست تلقّيًا بصريًا سريعًا، وإنما إدراك لمسيًّا متدرجًا، يفرض إيقاعًا مختلفًا للتفاعل مع النص، ويستدعي وعيًا أعلى بالوحدات اللغوية وتسلسلها. ومن هنا يمكن النظر إلى برايل بوصفها بديلًا وظيفيًا للكتابة المقروءة بصريًا، لا من حيث الشكل، بل من حيث الدور التعليمي والمعرفي الذي تؤديه. نحن - معشر المبصرين - نتعامل مع الحرف من خلال أبعاده البصرية: شكله، انحناءاته، امتداداته، وتوازنه الخطي، بل ورسائله الجمالية والدلالية في آن واحد. غير أن غياب هذا البعد لا يعني غياب الحرف ذاته؛ ففي نظام برايل يظهر الحرف بوصفه أثرًا محسوسًا، ينتقل من مجال الرؤية إلى مجال الإحساس، دون أن يفقد دلالته أو وظيفته. وهنا يظل الحرف حاملًا للمعنى، وإن تغيّر وسيطه. ولا تقف برايل عند حدود الأداة، بل تتجاوزها لتغدو نسق حياة معرفيًا لذوي الإعاقة البصرية؛ فهي تمكّنهم من التعلم النظامي، والقراءة الحرة، والكتابة المنتجة، والمشاركة العلمية والمجتمعية الفاعلة. وبدونها يتحول الكفيف إلى متلقٍّ شفهي محدود، بينما تمنحه برايل الاستقلال المعرفي، والقدرة على بناء المعرفة والتفاعل معها بوعي وفاعلية. ومن هذا المنظور، فإن الاحتفاء ببرايل ليس احتفاءً بطريقة قراءة فحسب، بل هو احتفاء بحق أصيل في الوصول إلى المعرفة، وتأكيد على أن اللغة لا ترتبط بحاسة واحدة، بل تتكيّف مع الإنسان وظروفه. وهو تذكير بأن ما نعدّه بديهيًا – القراءة بالنظر – ليس معيارًا وحيدًا للفهم، وإنما أحد مساراته الممكنة. وعليه، فإن برايل، بوصفها شفرة لغوية، لا تؤدي وظيفة القراءة والكتابة فحسب، بل تضمن استمرارية اللغة، والتعليم، والمعنى، وتؤكد أن رسالة الحرف لا تتوقف عند العين، بل قد تبدأ من الأنامل... لتصل إلى العقل. فليس البصر شرطًا للوعي، كما أن فقده لا يُعطِّل المعرفة؛ فحين تتغيّر وسيلة القراءة، يبقى المعنى واحدًا، وتبقى البصيرة أصلَ الإدراك ومناطَ الفهم. قال جل في عُلاه: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) الحج: 46