لم يكن عام 2025 مجرد سنة عابرة في تاريخ المملكة، بل كان محطة بارزة يمكن من خلالها قراءة ملامح رؤيتها الطموحة 2030 كما هي على أرض الواقع. هذا العام كشف لنا كيف يمكن للخطة الطموحة أن تتحول إلى واقع ملموس، وكيف يمكن للأرقام أن تحكي قصة تقدم لا تُرى في التقارير فقط، بل تُلمس في حياة كل مواطن. فعلى صعيد الاقتصاد، سجلت المملكة إنجازات ملموسة: ارتفعت مساهمة القطاعات غير النفطية إلى أكثر من 56 % من الناتج المحلي الإجمالي، مما يؤكد نجاح التنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على النفط. وقد عزز هذا الإنجاز ثقة المستثمرين، إذ حافظت المملكة على تصنيف ائتماني مرتفع، وأصبحت وجهة جاذبة للاستثمارات العالمية، بما يعكس قدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات بثبات واستدامة. وفي المجتمع وسوق العمل، اتخذ التحول في عام 2025 طابعًا أكثر عمقًا، لكنه كان واضح الأثر. لم يكن التغيير صاخبًا، بل تسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، ليعيد تشكيل العلاقة بين الفرد وفرصه. اتسعت مساحة المشاركة في سوق العمل، وارتفعت نسبة مشاركة المرأة إلى 33.5 %، فيما تعزز الاستقرار الأسري بوصول نسبة تملك المساكن إلى 65.4 %. وفي موازاة ذلك، نما الوعي المجتمعي بقيمة العطاء، فتجاوز عدد المتطوعين 1.2 مليون متطوع، في دلالة على مجتمع بات أكثر تفاعلًا ومسؤولية، وأكثر انسجامًا مع روح رؤية 2030 التي جعلت الإنسان محور التنمية وأساسها. أما على المستوى الدولي، فقد بدا عام 2025 عامًا رسّخ حضور المملكة كمحطة عالمية للقاء الأفكار وصناعة المستقبل. لم تعد المؤتمرات الدولية مجرد فعاليات تُستضاف، بل منصات حقيقية تتقاطع فيها المعرفة والاستثمار والابتكار. ففي الرياض، استقطب مؤتمر LEAP للتقنية أكثر من 201 ألف زائر، جامعًا كبرى الشركات ورواد الابتكار في مشهد يعكس التحول الرقمي الذي تعيشه المملكة. وبالقرب منه، جاء DeepFest ليؤكد الرهان على الذكاء الاصطناعي، بمشاركة عشرات الآلاف من الخبراء والمتخصصين، في رسالة واضحة بأن المستقبل يُصنع هنا. ومع Money20/20، عززت المملكة موقعها كمركز إقليمي للتقنية المالية، حيث التقت الأفكار الناشئة بالاستثمارات العالمية، وتحوّل الحوار إلى فرص حقيقية. لم يتوقف الإنجاز عند الاقتصاد الرقمي، بل امتد إلى الرياضة والثقافة؛ فقد استضافت المملكة بطولة EsportsWorld Cup بجوائز مالية بلغت 71.5 مليون دولار، كما أقيم مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي بمشاركة أكثر من 100 فيلم من 70 دولة، ونجح موسم الرياض 2025 في جذب ملايين الزوار محليًا ودوليًا. أما في التحول الرقمي، فقد أصبح في عام 2025 جزءًا طبيعيًا من حياة الناس اليومية، وليس مجرد هدف تقني. الخدمات الحكومية صارت أكثر سلاسة وسرعة، وأصبح الوصول إليها أسهل، ما عزز الشفافية وكفاءة الأداء. لم تعد التقنية غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لتحسين جودة الحياة، وتمكين الفرد من إنجاز احتياجاته بسرعة وراحة. ومع توسع البنية التحتية الرقمية، بات المواطن والمقيم أكثر قدرة على التفاعل مع الخدمات العامة، وشارك بشكل فعال في الاستفادة من المزايا التي توفرها رؤية 2030 في بناء مجتمع رقمي متكامل ومستدام. وفيما يتعلق بجودة الحياة، جاءت إنجازات عام 2025 بهدوء يشبه أثرها العميق. لم تكن تغييرات مفاجئة بقدر ما كانت تحسينات متراكمة أعادت تشكيل تفاصيل الحياة اليومية. المدن أصبحت أكثر تنظيمًا، والخدمات أقرب وأسهل، والمساحات العامة أكثر حضورًا في المشهد الحضري. تنوّعت الخيارات الثقافية والترفيهية، وتحسّن التنقل، واتسعت المساحات الخضراء، ليصبح نمط الحياة أكثر توازنًا وملاءمة لاحتياجات الناس. هذه التحسينات، وإن بدت بسيطة في ظاهرها، إلا أنها تمثل جوهر رؤية 2030 التي ترى أن رفاه الإنسان لا يُقاس بالمشاريع الكبرى وحدها، بل بما يشعر به في يومه العادي.. وفي التعليم، حمل عام 2025 ملامح تحول عميق تجاوز تحديث المناهج أو تطوير المباني، ليصل إلى جوهر العملية التعليمية نفسها. لم يعد التعليم مجرد مرحلة تُستكمل، بل مسارًا متصلًا لبناء الإنسان وإعداده لعالم سريع التغير. اتجهت المنظومة التعليمية نحو ربط المعرفة بالمهارة، وتعزيز التفكير النقدي، والابتكار، والعمل الجماعي، بما يواكب متطلبات الاقتصاد الحديث. توسعت الشراكات بين الجامعات والقطاعات الحيوية، وأصبح سوق العمل شريكًا في تشكيل البرامج الأكاديمية، لا متلقيًا لمخرجاتها فقط. كما شهد التعليم الرقمي حضورًا أوسع، أتاح مرونة أكبر في الوصول إلى المعرفة، وفتح المجال أمام التعلم المستمر، والتخصصات المستقبلية، مثل الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتقنيات المتقدمة. وفي هذا السياق، بدا الاستثمار في المعلم والطالب معًا محورًا أساسيًا، من خلال برامج التأهيل، والابتعاث النوعي، وتطوير البيئة التعليمية، بما يسهم في بناء جيل يمتلك المهارة والوعي، وقادر على المنافسة محليًا وعالميًا. هكذا جاء التعليم في 2025 انعكاسًا مباشرًا لفلسفة رؤية 2030 التي ترى أن بناء الإنسان هو الاستثمار الأهم، وأن المعرفة ليست غاية بحد ذاتها، بل أداة لصناعة مستقبل أكثر استدامة وازدهارًا. وفي الصحة، شهد عام 2025 تقدمًا ملموسًا على صعيد جودة الخدمات الطبية ووفرتها لكل فئات المجتمع. لم يقتصر التحسن على بناء المستشفيات وتجهيزها، بل امتد إلى تطوير نظم الرعاية الصحية، وتعزيز الوقاية، والارتقاء بكفاءة الكوادر الطبية. ارتفعت نسبة تغطية الخدمات الصحية لتصل إلى نحو 96 % من التجمعات السكانية، وتحسن متوسط العمر المتوقع ليصل إلى 78.8 عامًا، ما يعكس تأثير هذه التحسينات في حياة الناس بشكل مباشر ومستدام. كما شهد القطاع الصحي توسعًا في الخدمات الرقمية، فاستُخدمت التقنية لتسهيل الوصول إلى المواعيد، وتحسين متابعة المرضى، وتمكينهم من رصد صحتهم بأنفسهم، ما ساهم في تعزيز نمط حياة صحي أكثر استقرارًا. وقد رافق هذا التطور تعزيز البرامج الوقائية والتثقيف الصحي، لتصبح الصحة عنصرًا أساسيًا فيتحسين جودة الحياة، لا مجرد علاج للأمراض. كل هذه الجهود تعكس فلسفة رؤية 2030 التي ترى أن الإنسان محور التنمية، وأن الاستثمار في صحته هو استثمار في مستقبل الوطن. باختصار، عام 2025 كان مليئًا بالإنجازات التي عكست رؤية المملكة 2030 على أرض الواقع. هذه الإنجازات لم تكن مجرد أرقام أو مشاريع، بل تغييرات ملموسة في حياة الناس، من الاقتصاد والتعليم والصحة، إلى الثقافة، والرياضة، وجودة الحياة. كل خطوة أثبتت أن المملكة تمضي بثبات نحو مستقبل مستدام ومزدهر، يضع الإنسان في قلب التنمية، ويجعل المملكة مركزًا عالميًا للمعرفة، الابتكار، والاستثمار. حجاز مصلح