على الرغم من الزخم الكبير الذي صاحب الزيارة التاريخية لسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان إلى الولاياتالمتحدة الأميركية والمكاسب الجمة لها سواء بدخول المملكة نادي السلاح الحصري بالحصول على مقاتلات F-35 أو ارتقاء الشراكة الاستراتيجية بين الحليفتين المملكة والولاياتالمتحدة، فإن الزيارة ليست تكرارًا لزيارة 2018 فالفاصل بينهما ليس سنوات فقط بل تغير كبير في معادلة النفوذ ومراكز الثقل الإقليمية، ففي تحول نوعي يؤكد رصانة المملكة العربية السعودية وقيادتها الرشيدة لرؤية المملكة 2030 والتي نجحت في جذب إكسبو 2030 والفوز في استظافة كأس العالم 2034 أن تخطو خطوات دبلوماسية واسعة خاصة بعد ارتقاء علاقتها مع روسيا إلى مستوى 2+2 فضلا عن الشراكة الاستراتيجية مع الصين. تحمل المملكة العربية السعودية على عاتقها الواجب الوطني لمحيطها العربي والإسلامي، فقد كان التدخل من أجل حل سلمي للازمة السودانية، إدراكا من سمو ولي العهد في وضع هذا الملف الساخن على أجندة زيارته التاريخية لأميركا والذي استطاع خلال دقائق معدودة في التأثير الايجابي على غرفة صانع القرار الأميركي الرئيس رونالد ترمب والذي أدى إلى تحول دراماتيكي في السياسية الأميركية تجاه القضية السودانية والعمل على خفض وتيرة الصراع بها وإيجاد أفق للحل وتطبيقه على أرض الواقع. وتأتي هذه الخطوة السعودية في سياق رغبة المملكة في اعتماد استراتيجية مزدوجة تتمثل في تعزيزِ دورها الدولي والإقليمي كجهة قادرة على إدارة أزمات المنطقة فضلا عن كونها حليفاً استراتيجيا لأميركا باعتبارها إحدى أهم القوى الإقليمية التي يمكن أن تعتمد عليها إدارة ترمب في الملفات الشائكة في المنطقة. وقد أدرك سمو ولي العهد أنه في ظل التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة هناك قناعة أميركية بأنها لن تسطيع حل كل هذه الملفات دون مساندة قوية من حليف له ثقل استراتيجي. وإشراك الولاياتالمتحدة في حل الأزمة السودانية كجزء من رؤية أوسع تسعى من خلالها الرياض إلى إعادة تموضعها داخل المشهدين الإقليمي والدولي بما تمتلكه من دبلوماسية هادئة ومؤثرة لها تجارب ناجحة على المستويين الدولي والإقليمي وهذا ما تحقق على أرض الواقع بعد نجاح سمو ولى العهد في الوساطة بين روسيا وأوكرانيا من أجل تبادل الأسرى وهو ما وصفه مراقبون بأن السعودية باتت أكبر لاعب دولي في ملف الحرب الأوكرانية نظرا لحيادها ودورها في إنجاح صفقات تبادل الأسرى وتقريب وجهات النظر بين المتنازعين. وتنطلق المملكة العربية السعودية في تدخلها لحل الأزمة السودانية لريادتها للعالم العربي والإسلامي، وباعتبارها دولة المقدسات الإسلامية وكوسيط نزيه لدى الأطراف المتنازعة ومرحب به ضمن الرباعية الدولية لحلحلة الأمور في هذه الازمة، أضف إلى ذلك الخبرة العريضة في هذا الإطار عن كونها قوة دبلوماسية، ما قد يمنحها قدرة أكبر على التأثير في الأطراف السودانية المتنازعة مع الحفاظ على صورتها كوسيط نزيه. وتُدرك السعودية أن استقرار السودان المتشاطئة على البحر الأحمر يشكل عنصراً جوهرياً في معادلة الأمن الإقليمي، نظراً لموقعه على ممر تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والاقتصاد والجغرافيا السياسية. (عضو الجمعية السعودية للعلوم السياسية) سعدي بن حجي الأسلمي