رغم الظروف المعاكسة، إلا أن أسواق السندات العالمية اجتذبت 133 تريليون دولار في 2023، وهو ما يعكس قيمتها الاقتصادية الهائلة، كواحدة من أكبر أسواق رأس المال في العالم، فقد زادت وتوسعت سبعة أضعاف، على مدى 4 عقود، بفضل مشتريات الديون الحكومية، وديون الشركات في الاقتصادات الكبرى والأسواق الناشئة، وعلى سبيل المثال، فقد سجلت سوق السندات الصينية نمواً بنسبة 13 % سنوياً خلال الأعوام الثلاثة الماضية، في الوقت الذي تتبوأ فيه الولاياتالمتحدة صدارة التصنيف العالمي، كأكبر سوق جاذبة للسندات بحجم 51.3 تريليون دولار، وهذا المبلغ الفلكي يعني أن سوق السندات الأميركية تشكل 39 % من إجمالي السوق العالمية، حيث تهيمن السندات الحكومية على القطاع، مع أكثر من 26 تريليون دولار من الأوراق المالية المستحقة، وقد دفعت الحكومة الفيدرالية نحو 535 مليار دولار كفوائد ديون على هذه السندات في 2023. وتأتي الصين في المرتبة الثانية مستحوذة على 16 % من إجمالي سوق السندات العالمية، إذ تجتذب 20.9 تريليون دولار، وتملك البنوك التجارية المحلية الحصة الأكبر من السندات الصينية، في حين تواصل الملكيات الأجنبية الانخفاض بفعل هبوط العائدات واستمرار الحرب التجارية مع الولاياتالمتحدة، أما اليابان فتأتي في المرتبة الثالثة، مع 11 تريليون دولار، حيث تشكل طوكيو 8 % من إجمالي سوق السندات العالمية، ويمتلك البنك المركزي الياباني حصة ضخمة من السندات الحكومية، تبلغ 50 %، أما في أوروبا، فإن فرنسا تعتبر أكبر سوق للسندات بقيمة 4.4 تريليونات دولار، حيث تأتي في المرتبة الرابعة بين دول العالم، مستحوذة على 3 % من سوق السندات العالمية، وبعدها تأتي المملكة المتحدة في المرتبة الخامسة بسوق حجمها 4.3 تريليونات دولار، مشكلة نسبة 3 % من السوق العالمية، بينما تحل سوق السندات الكندية في المرتبة السادسة بقيمة 4 تريليونات دولار، بنسبة 3 % من السوق العالمية، وبعدها تقع ألمانيا في المرتبة السابعة مع 3.7 تريليونات دولار، بنسبة 3 % من السوق العالمية، ثم إيطاليا في المرتبة الثامنة عند 2.9 تريليون دولار، بنسبة 2 % من السوق العالمية، ثم إقليم جزر كايمان في المرتبة التاسعة، بقيمة 2.7 تريليون دولار، وتشكل 2 % من السوق العالمية، وأخيراً البرازيل، في المركز العاشر، مع 2.4 تريليون دولار، حيث تشكل 2 % من سوق السندات العالمية. اللافت، هو تألق سوق السندات الخضراء التي نجحت في جمع تريليون دولار خلال عام 2023، مسجلة نمو بنسبة 16 % من إجمالي سوق السندات العالمية، حيث بلغت إصداراتها خلال النصف الأول 310 مليار دولار، وتستحوذ أوروبا على معظم هذه الإصدارات، فيما تعاني إصدارات أميركا الشمالية من انخفاض العرض والطلب، في المقابل، شهدت منطقة الشرق الأوسط نمواً كبيراً في هذه النوعية من السندات، حيث جمعت 13 مليار دولار في 2023، متجاوزة إصدارات العام السابق بأكمله، ونعتقد أن سبب انخفاض إصدارات أميركا الشمالية يعود للموقف الحذر للمستثمرين الأميركيين الذين تأثروا بسلسلة متتابعة من سقوط البنوك الإقليمية بداية من شهر مارس، وذلك مثل بنك وادي السيليكون، بالإضافة إلى الجدل الحزبي المطول حول سقف الديون الأميركية، وقد زادت هذا العام إصدارات السندات الخضراء من قبل شركات السيارات والطاقة والمؤسسات المالية، مما حفز الاستثمارات في مشاريع النقل النظيف، والطاقة المتجددة، وكفاءة استخدام الطاقة. على خطى البنوك المركزية، تسير البنوك التجارية التي رفعت من مستوى حيازتها للسندات، حتى أصبحت لاعباً رئيساً في القطاع، وتعد البنوك التجارية من بين أكبر ثلاثة مشترين للديون الفيدرالية، حيث تعيد استثمار الودائع في الأوراق المالية التي تعطي فوائد مجزية، وتشمل هذه الأوراق سندات الخزانة الأميركية، التي تعتبر، في عرف الاقتصاديين، أكثر الأصول أماناً في العالم، وخلال الربع الثاني من عام 2023، تم تنفيذ 1648 صفقة تجارية في أسواق الديون، إلا أن ارتفاع أسعار الفائدة بشكل حاد منذ عام 2022، قد أدى إلى هبوط أسعار السندات، نظرا للعلاقة العكسية بينهما، وأثار هذا الأمر تساؤلات للمستثمرين حول نوع السندات التي تحتفظ بها هذه البنوك. تمتلك البنوك التجارية في الولاياتالمتحدة 4.2 تريليونات دولار، على شكل سندات خزانة، وأوراق مالية، وتشكل هذه الممتلكات نحو 24 % من أصول البنوك الأميركية الكبيرة، و 15 % من أصول البنوك الصغيرة، إلا أن البنوك الأقل حجماً بدأت بالفعل في خفض حيازاتها من السندات منذ منتصف عام 2022، وذلك بسبب ارتفاع أسعار الفائدة، والتي أدت إلى مزيد من الضغوط على أسواق السندات، والتي توسعت في السابق بسبب عصر السياسة النقدية الميسرة، وتدني أسعار الفائدة، والحقيقة، أن 2023 يعد العام الأسوأ بالنسبة لسوق السندات الأميركية، مما أثر على كل القطاعات المرتبطة بها، بدءاً من معدلات الرهن العقاري، وحتى قيمة الدولار، في الوقت الذي تثير فيه الزيادات الكبيرة في الاقتراض الحكومي تساؤلات حول تداعيات الورطة الراهنة في السوق المالي الأهم في العالم. تشكل سندات الخزانة الأميركية، البالغة نحو 33 تريليون دولار، أكبر سوق للسندات الحكومية في العالم، وتعد عائداتها معياراً أساسياً لأسعار الفائدة في شتى أنحاء العالم، حيث تحدد خط الأساس لتكلفة الاقتراض لكل شيء، بدءاً من الاقتراض الحكومي المقوم بالدولار، إلى ديون الشركات، وإذا كانت سوق سندات الخزانة الأميركية في ورطة، فإن تأثيرها لن يمتد فقط إلى أسواق الديون الدولية، بل سيتعدى ليشمل الاقتصاد العالمي بأكمله، وبما أن الدين العام الأميركي يعتبر "خالياً من المخاطر"، فإنه يشكل خط أساس لتسعير الديون الأخرى الأكثر خطورة، وهكذا، يتم تسعير ديون العالم بالكامل من خلال سندات الخزانة، فإذا ارتفعت عوائد سندات الخزانة بمقدار نقطة مئوية واحدة، فإن معظم المقترضين بالدولار سوف يشهدون زيادة في عوائدهم بنفس المقدار، ومع وجود أكثر من 300 تريليون دولار من الديون العالمية المستحقة، فإن زيادة نقطة مئوية واحدة في أسعار الفائدة ستكلف المقترضين 3 تريليونات دولار، وهذا المبلغ أكبر من الناتج المحلي الإجمالي للعديد من دول العالم. تولد سندات الخزانة بدافع الضرورة، والحاجة للتمويل، وبما أن الحكومة الأميركية تنفق أكثر مما تجمع، فإن أي نقص يجب سده عبر بيع الديون، وخلال السنة المالية الحالية 2023، بلغ العجز قرابة 1.7 تريليون دولار، وهناك 85 % من سندات الخزانة المصدرة في عام 2023 تستحق السداد خلال عام واحد أو أقل، وهذا يعني المزيد من احتياجات إعادة التمويل، وعلى سبيل المثال، تحتاج سندات الخزانة لأجل 4 أسابيع إلى إعادة تمويل اثنتي عشرة مرة سنويًا، وقد بلغ إجمالي احتياجات التمويل للشهر الماضي وحده نحو 2.3 تريليون دولار، ولمعرفة مقدار الدين المطلوب إصداره على شكل سندات، يجتمع مسؤولو الخزانة بشكل ربع سنوي مع اللجنة الاستشارية لاقتراض الخزانة، والتي تضم ممثلين عن البنوك والوسطاء وصناديق التحوط وشركات التأمين، ثم ترفع اللجنة تقريراً إلى وزير الخزانة الأميركي يتضمن توصيات بشأن إصدار الديون للربع المقبل، وبناءً عليه، تصدر وزارة الخزانة جدول المزادات المبدئي، وبهذه الطريقة، يمكن للمشاركين في سوق السندات توقع العرض المستقبلي في سوق السندات.