يذهب العالم اليوم إلى غد غامض، غد خائف من نفسه بيوم مرتبك مما يليه.. إنها الحرب التي قالها زهير بن أبي سلمى قبل أكثر من خمسة عشر قرناً: وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجم متى تبعثوها تبعثوها ذميمة وتضر إذا ضريتموها فتضرم فتعرككم عرك الرحى بثفالها وتلقح كشافا ثم تنتج فتتئم إذا هي الحرب التي تنذرنا بعودة أوروبا إلى ما قبل سبعين عاماً حيث الحرب العالمية الثانية التي أشعلت العالم وحولت أكثر من نصف خارطة الأرض إلى بحيرات دم.. ثم تركت وراءها أكثر من ثمانين مليوناً بين قتيل وجريح، شكلوا حينها أكثر من خمس البشر على الأرض، ثم لم يتعظوا يوماً ولم يتوقفوا عن وهم الانتصار. كل حرب خاسرة بالضرورة، تؤججها السياسة ويموت فيها الأبرياء، يولد فيها الأطفال من فوهات البنادق، ويموتون بإطلاق النار عليهم.. منذ أكثر من نصف قرن لم نر هذا النزوح الجماعي.. هذه الصور التي تتزاحم في ممرات المجهول هاربة من موت يداهمها ومعارك لا تعنيها، تبحث في الأرض عن اللجوء حتى من ظلالها تاركة وراءها كل شيء.. هروب من الموت للحياة.. لكنها بدت لنا دائماً حياة في طريق الموت، إما بالغرق أو الفقر أو العوز أو حتى داء الغربة والمسكنة.. تلك الحروب التي يفتعلها الإنسان لنفسه جاءت دائماً نتاج صراعات تقتضيها الأطماع ويتثاقل بها التاريخ ويهلك فيها الأبرياء. يا لهذا الإنسان الذي لا يملك ذاته فيحرص على امتلاك ما سواها، يتناسى الموت فيقدمه على طبق من غضب لأقرانه من البشر.. أولئك الذين لا يملكون الدفاع حتى عن حياديتهم.. أسوأ ما في هذه الحروب بعد احتدامها بنا أنها تكشف لنا حقيقة منجزاتنا الحضارية الخاوية.. فكل وسائل الحياة الخدمية اليوم كالسيارة والطائرة والحاسوب وغيرها.. إنما وجدت أول الأمر فكرةً في رأس شيطان استهدف القتل منها فلم تصلنا رفاهيةً ويسراً إلا على جثث أجدادنا! فاصلة: يدي كالضبابِ ونظّارتي الشمسُ والقادمون من الليلِ بعضُ النداء... أشعلي شمعةً بعد عامٍ مضى لأرى في دمي وردتين وغصنًا وقافيةً من غناء.. أيها الأمسُ.. أيتها الأغنياتُ اليتامى... كلّنا حين جئنا أنا.. كلنا من بكاء... فاتركي للمساءِ القليلِ الندامى .. وللبردِ دفءُ القُدامى وللشعر ذاكرةَ الأصدقاء..