تمضي الأيام بنا مع هذه الكورونا، تفتك بهواجسنا، وتلتهم عاداتنا، ثم ندرك ألا مهرب منها إلا معها، نحذر لأجلها حتى من ظلالنا، ويفر المرء فينا من أخيه - على الأقل حتى يومنا - ولكي لا تنتصر هذه الكورونا علينا في معيشتنا وتهزمنا في حياتنا المتحفّظة لأجلها، والموبوءة بها، ولكي لا تنكسر أرواحنا بطول بقائها بيننا؛ علينا أن ننظر إلى نصفها الآخر، ثم نتلمّس ما نفعله اليوم لأجلها، ولا أعني هنا تغيّر عاداتنا على مستوى الصحة كالنظافة والحرص عليها، وتطوير وسائلها وطقوسها تزامنا مع حذرنا من الوباء، وهذا شأن مدني وصحي إيجابي جدا لا شك، لكن ما أعنيه على مستوى المعيشة بشكل عام، لقد أدركنا مع هذه الكورونا مثلا أن بلادنا المتنوعة التضاريس والمناخ وجهات سياحية، لن تنمو وتزدهر بنيتها التحتية إلا بإقبالنا عليها، وستكفينا حينها التجوال السنوي المعتاد، وفي كل هذا تطور للبلاد على مستويات عدة خدماتية واقتصادية، فضلا عن كونه تأصيل وتعميق لجذورنا الوطنية، نعم فعلت الكورونا هذا.. تماما كما كشفت لنا عن حجم تطورنا الكبير على مستوى الخدمات الإلكترونية والعالم الرقمي، ودفعت الجميع إلى إجادة استخدامه وتنوير طرائقه في الشراء وخدمات التوصيل، فعلت هذه الكورونا الكثير كما يبدو حين كشفت لنا أن مناسباتنا وأعراسنا يمكن أن تستغني عن صورتها المبالغ بها حد الإرهاق في مناطق ومجتمعات كثيرة من بلادنا، فصارت مناسباتهم محدودة العدد معقولة التكاليف، ولعلنا بعدها نغير الكثير مما يرهقنا في هذا الشأن بعد مرورنا بهذه التجربة الكورونية، أقول فعلت الكورونا وتفعل حين ننظر إلى نصف الكأس الآخر مما نحن عليه اليوم، لقد علّمتنا كيف نستثمر وقتنا لحياة أكثر تصالحًا مع الذات، أعادتنا إلى دواخلنا، فعلت الكورونا ما لم يفعله غيره فينا، إذْ دفعتنا لمراجعة أيامنا بيننا، ثم تركت لنا الخلوة بنا، أقول هذا مدركًا لكرب اللحظة ومساوئ الحذر والتوجّس، وانتزاع التغيير في العادات والطقوس انتزاعا.. لكنني مثلكم كنت ومازلت على ثقة ويقين بالله من أن يزيل هذا الحذر والتوجس من الحياة، ثم لا تغادرنا هذه الكورونا إلا وقد أبدلنا الله بعادات وطقوس وسلوكيات أجمل..! فاصلة: لا تبتئس مني.. أنا بعض السنين لديك يا زمني.. وأنت تلوّن الأسماء.. أنت تعبّدُ الطرقات.. أنت تقودني للسير في مدنِ الفراغ.. حاولْ تجاورني.. فنمضي في دروب الغيب لا ندري نهايتنا ولا أين الطريق.. أنت الذي تختار لا صمتي.. فقلْ ممن نفرّ.. ومن يلاحقنا.. ومن فينا الطليقْ؟.