يعيش السعوديون هذه الأيام فرحة العيد مضاعفة، إذ وجدوا أمامهم مسرحاً وصالة سينما بعد سنوات من القطيعة غير المبررة.. الآن هناك أكثر من عشر مسرحيات.. وهناك أفلام كرتونية ستعرض في صالة سينمائية بمركز الملك فهد الثقافي والتي تتسع لأكثر من ثلاثة آلاف متفرج.. وكلها سيشهدها الجمهور خلال ثلاثة أيام فقط هي مجمل أيام العيد.. وهي مدة زمنية محدودة لكنها كبداية تعتبر تقدماً كبيراً إلى الأمام.. وهي خطوة أولى في مشوار الألف ميل.. نعم.. نحن بحاجة إلى أن تمتد هذه الفعاليات لتشمل بقية أيام السنة وأن تأتي بصيغ تجارية تضمن استمرارها وبقاءها.. نحن بحاجة إلى المناخ الثقافي الذي يخلقه المسرح مع السينما.. لكننا قبل ذلك بحاجة إلى الصبر والأناة، وإلى إعطاء كل خطوة حقها الكامل من الوقت، وألا نستعجل الخطى ونقفز المراحل كي لا يتضرر هذا المشروع الناشئ.. بالنسبة للمسرح فلا يبدو أن هناك مشكلة، فالمسرح تعودنا عليه ولنا سابق معرفة به، والأهم أنه حاز ثقتنا وقبولنا، والسبب الذي حد من انتشاره سابقاً لا يعدو أن يكون تقاعساً إدارياً لا موقفاً فكرياً أو توجه رافض من قبل المجتمع. إذن ومع قليل من التنظيم الإداري والدعم والعناية سيعود المسرح ربما أفضل مما كان وسيلقى القبول من الجميع.. لكن المشكلة دائماً ما تكون مع السينما لأنها في النهاية «السينما» التي تعودنا أن نخشاها وأن نراها أس الفساد والانفلات العقدي والأخلاقي.. وكي نبني علاقة جديدة ننفذ من خلالها إلى عمق السينما، نحتاج أولاً إلى إزالة رواسب الخوف والرهبة من على جدران هذا المسمى، وعملية الإزالة والتعرية تحتاج إلى وقت طويل ينتهي بحيازة «السينما» على الثقة.. والثقة، ثقة المجتمع، هي الشيء الحاسم الذي تحتاجه السينما، وبمجرد أن تحصل عليه فإنها ستنتشر بهدوء وبساطة في كافة أرجاء المملكة.. نعم نحن بحاجة إلى أن نثق بهذه الوسيلة الهامة.. لكن كيف؟ ببساطة عبر عرض المثال الجيد والملائم.. ففي السابق تشكلت مواقفنا الرافضة للسينما بسبب الإصرار على عرض المثال السيئ.. والآن يجب الاستفادة من التجربة الماضية كي لا نكرر عرض هذا المثال وبالتالي نعزز من رفضنا لها.. لا بد من التأني والهدوء كي نمنح المجتمع فرصة تأمل السينما ورؤية كم هي مفيدة وأنها ليست مفسدة كما كان يعتقد.. المجتمع بحاجة إلى أن يقترب من هذه الفكرة بهدوء.. وليس من الصالح أبداً أن تتحول قضيتها إلى حلبة لصراع التيارات الفكرية المختلفة.. أحدها يروج لها تحت مسميات مريبة.. والآخر يرفضها رفضاً قاطعاً غير مقنع.. ومن هنا كان قرار أمانة مدينة الرياض صائباً حين أصرّت على البداية بعرض أفلام الكرتون ذات التوجه الفكري المتزن والملائم لنمط تفكير المجتمع ولعاداته وتقاليده المحافظة.. فهذه الأفلام، وهذا التوجه بحصر المشاهدة على الأطفال والنساء فقط، سيتيح للجميع الوقت الكافي لدراسة الفكرة وتأملها ومن ثم قبولها والموافقة عليها.. البعض سيعترض وسيطالب بفتح السينما ككل وعرض كافة الأفلام فيها وأن يتاح للجميع حضورها، ولاشك أن هذه مطالب مشروعة، لكن وضعنا الخاص والدقيق مع «السينما» وتاريخنا البائس معها يفرض علينا بداية من نوع خاص جداً.. والهدف بناء الثقة.. ومن أجل هذا الهدف فلا بأس لو استمر حصر العروض السينمائية على الأفلام الكرتونية لسنة أو سنتين أو حتى ثلاث سنين.. لا بأس بذلك.. طالما أننا في النهاية سنصل إلى نقطة الإيمان بقيمة ومكانة السينما..