مليار ريال.. رأس مال كِدانة من الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة    زلزال بقوة 5.5 درجات يضرب شمال شرقي أفغانستان    بايدن يتخذ قرارات حاسمة بعد دخول البيت الأبيض    الأديب محمد مهاوش الظفيري إلى رحمة الله    "وزير التعليم" يوجه رسالة إلى المعلمين والطلاب مع بداية الفصل الدراسي الثاني    المكسيك تشهد أسوأ أسبوع في وفيات كورونا    كورونا : تأخر تسليم اللقاحات في أوروبا وتكدس للجثث في الولايات المتحدة    قدامي #نادي_الهدي يجتمعون في مباراة استعراضية    ميدان فروسية #الجبيل يقيم سادس سباقاته للموسم الحالي ١٤٤٢ه    #الصحة : جاري التنسيق لتوفير #لقاح_كورونا ب #مكة_المكرمة    تونس: احتجاجات ليلية عنيفة وحرق مركز أمن في سوسة    الهيئة السعودية للمقاولين تعلن عن النسخة الثالثة لمنتدى المشاريع المستقبلية لعام 2021    جامعة نجران تسلم وثائق التخرج عبر البريد الممتاز    "الأرصاد" تنبه: رياح نشطة وأتربة مثارة على منطقة المدينة المنورة    وزير الإعلام ينعى المذيع فهد الحمود    تعّرف على أفضل جامعات العالم في 2021    كورونا في البرازيل: أكثر من 61 ألف إصابة جديدة خلال 24 ساعة    جامعة المؤسس: 55 مبادرة في «مكة الثقافي».. أبرزها صناعة الروبوتات    الحيزان عميدا بجوازات الجوف    اعتماد الخطة الدراسية المطورة للمرحلتين الابتدائية والمتوسطة    أوروبا تنتقد إيران: اليورانيوم لأهداف عسكرية    تمكين «العقاري» من تأسيس صناديق ادخار لدعم المواطنين    محمد بن سلمان.. كاريزمية الإنجاز «The line».. رافعة «2030»    معسكرات استكشافية لتشكيل «منتخب 20»    حمد بلغريف.. أول بريطاني يولد في البحرين    نفذت الجمعية الاجتماعية الاهليه بقرى جنوب #نجران معرض الرسم والصور    السمار حارس الشباب والاتحاد سابقاً: الهلال استفاد من كل شيء في 40 عاماً.. والنصر الأكثر تضرراً من التحكيم    ولي العهد يبحث مع ماكرون التعاون المشترك    من يخمد الفتنة بين السودان وإثيوبيا ؟    وثائق مسربة: الحوثي ينهب اليمنيين لتمويل فعاليات طائفية    الصمعاني: 30 مادة ترفع كفاءة التوثيق العدلي عبر التقنيات الحديثة    القيادة تعزي أمير الكويت في وفاة فضاء الصباح    أحداث مباراة الأهلي والهلال على طاولة الانضباط    جماهير الهلال تنتقد رازفان.. وتطالبه بإبعاد غوميز    سوق الأسهم يسجل أعلى إغلاق أسبوعي منذ يوليو 2019    12 % زيادة في حاويات المسافنة بميناء جدة    المرأة والحدّ من التهرب الزَكَويّ والضريبيّ    «المنزل الطائرة» لعيون الزوجة المسافرة    «وجب القضاء» يعالج خلافات العائلة الخليجية    32 كشافا يزورون المعالم الأثرية بعسفان    كوبيتش مبعوثاً جديدًا للأمم المتحدة إلى ليبيا    «واتساب»: لا تعليق أو حذف لأي حساب في الثامن من فبراير    خبير طقسي: «طالع النعائم» برد شديد وظهور للهُدهُد    الصقيران يحتفل بزفاف ابنته    كاريلي يجهز رودريجيز والبيشي للعين        سمو نائب أمير منطقة جازان يعزي في وفاة الشيخين "صيرم" و"المسعودي meta itemprop="headtitle" content="سمو نائب أمير منطقة جازان يعزي في وفاة الشيخين "صيرم" و"المسعودي"/    محافظ #بيش يتفقد الخدمات المقدمة لزوار الكورنيش الجديد    الجمارك توضح الحد الأقصى لاستيراد الدراجات النارية    "تقييم" تقرّ العقوبة على "66" مخالفة لمقيّمين معتمدين خلال 2020    سفير خادم الحرمين الشريفين لدى الولايات المتحدة المكسيكية يقدم أوراق اعتماده    القيادة تعزي أمير الكويت في وفاة الشيخة فضاء جابر الأحمد الصباح    32 كشافا يزورون المعالم الأثرية بعسفان    طقس السبت .. سحب ممطرة على أجزاء من شمال ووسط وشرق المملكة    إمام المسجد الحرام: لاتصدقوا إشاعات المرجفين بعدم فعالية لقاح كورونا    #رئاسة_شوؤن_الحرمين_تقدم الترجمة بعدة لغات ل #ضيوف_الرحمن    النظرة الثاقبة والقيادة الحكيمة    #أمير_الشمالية يستكمل زيارته التفقدية لمحافظة #رفحاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





صنعة لطافة... محمد خضر عندما لا يدعي في ما رمى إليه فلسفة
نشر في الحياة يوم 11 - 02 - 2014


-1-
أعترف أنه ليس يسيراً عليّ أن أكتب عن قصيدة النثر، وربما أعيد شيئاً من ذلك إلى أن أذني تربت على أنغام تضرب في أعماق التاريخ، لكن الذي أحققه أن هذا الصنف من الأدب، حال أصحابه بينه وبين الناس، ولا أنكر أن ألواناً من الغموض والإبهام اعتورت قدراً كبيراً من قصيدة النثر، فلم أستطع أن أجوز إلى مقاصدها، ووقف بيني وبينها جدار من الإلغاز عسر علي، ولم أهتدِ إليها، وكان من غاية روادها أن يعتصموا بالتعمية، ولعلهم أرادوا لما ينشئون أن يجتهد القراء في بلوغ غايته، فالأدب كله عسر، عسير حين تنشئه، وعسير حين تقرأه، وزاد من صعوبة التهدي إليه لغة قوامها استعارات بالغة الجدة، لا تلين للفهم، وما حمل أولئك الشعراء الرواد على ذلك إلا إيمانهم أن لا أدب إلا ما سبك في لغة تباين معهود الكلام، وعندهم أن ذلك لا يتحقق بما سوى نظم لغوي جديد، تتناكر فيه الكلمات، وتتخالف فيه التراكيب.
نقرأ لدى أدونيس وطبقته شيئاً من هذا، ونقرأ لدى شعراء آخرين ما ظنوا فيه أن قصيدة النثر ليست إلا أن تكتب أي كلام لا تستقيم له قاعدة، ولا يتهدى فيه إلى معنى، وعسى أن يكون لهذا الضرب من الإنشاء ما عد حاجزاً بين القارئ والقصيدة، لكن هذه القصيدة اقتربت بعض القرب من القراء، فجعلوا يقبلون على أمثلة منها جيدة، مما أنشأه جمهرة من الشعراء، أبرزهم محمد الماغوط، وفي قصائده نقد حاد ونقمة، وفيها سخر وتعرية، وفيها ضرب من الشعرية، يقوم على الدهش واللفتة الذكية الماهرة.
-2-
ليس في ديوان «منذ أول تفاحة» للشاعر محمد خضر شيء من ذلك، لا يحول بيننا وبينه غموض ولا تعمية، ولا يسوق أبياته، وعباراته إن شئت، مدلاً، ولا يدعي الشاعر في ما رمى إليه فلسفة.
إنه لا يقول ذلك، ولم أحس في ديوانه، وهو صغير لطيف، ما يدفع بقارئ مثلي، درج في كنف القصيدة العربية القديمة، بعيداً من جوائه، بل كان قريباً حبيباً، وأستطيع أن أعد قصيدتيه الأوليين، نموذجاً على قرب ما بين هذا الشعر وبين متلقيه، على اختلاف حظوظهم في القراءة والفهم، فالقصيدتان، والديوان برأسه، يسير الفهم، قريب المأتى.
أحسست ذلك في ديوانه، أحسست ما انطوى عليه من جمال، وربما لا تواتيك أبواب البلاغة والنقد، على مألوفهما، لو أردت تفسير ما داخلك من إحساس بذلك الجمال، وليس لي إلا أن أحاول وأجتهد.
في اللهجة المصرية عبارة بديعة، يظهر بها المصريون مبلغ إعجابهم بالمهارة الفنية في الصنائع ونحوها، فيقولون: المسألة ذي فيها «صنعة لطافة»، ومقصدهم أنها وإن ظهرت قريبة حبيبة، فسرها الباتع إنما هو في تلك اليد الماهرة الصناع، تخلبك بمهارتها، وتهديها إلى دقائق لا تحسها إلا إذا تأملتها.
محمد خضر عنده «صنعة لطافة»، يشدك ديوانه، وتدرك أن فيه شيئاً يصل ما بينك وبينه، لك أن تدعوه شعراً أو نثراً.
وأقرب الظن أن محمد خضر لا تعنيه تلك العناوين الناتئة، فالرجل لم يصنف ما أنشأه تحت أي نوع من أنواع الأدب، وإننا نقرأ عبارة «منذ أول تفاحة» من دون أن نظهر في الغلاف على نسب للكتاب في الشعر أو النثر.
نعم! صنفت المكتبة الوطنية الكتاب فجعلته شعراً، والقارئ يعرف محمد خضر شاعراً، ويعرف له تخصصه في «قصيدة النثر»، لكن ربما بدا له أن يتحرر من سطوة العنوان، وأن يبلغ غايته التي هدف إليها، بتلك القدرة التي دعوتها «صنعة لطافة»، وأنت تعرف أن اللطيف فيه تلك الدقائق التي تحتاج إلى صنعة ومهارة.
قصيدتا «الحرية» و«صورة العائلة» أقرب قصائد الديوان إليّ، ولا أستبعد أنهما قريبتان إلى كل من يقرأ ذلك الديوان، ومكمن قربها إلى قلبي موضوعهما الإنساني اليسير: فراشة برحت عالمها الواسع الفسيح، فأظلتها غرفة سقفها سماء، وحديقتها تلك الأصوات المنبعثة من التلفاز، وتخدعها عن نفسها شجيرات بلاستيكية لم تعصمها من الانتحار. إنها حال شعرية بناؤها الدهشة واقتناص لحظة ما وتحويلها إلى شعر.
وفي «صورة العائلة» ربما كمنت الشعرية في تذكر تلك الصورة العائلية القديمة، التي تضم في لحظة حبيبة من الزمان أماً وأبناءها وبناتها، ولعلهم لم يعرفوا الآلة المصورة من قبل. أنا ألفيت في هذه القصيدة الحبيبة صورة أخرى تشبهها، صورة تضم أمي وإخوتي بنين وبنات، أظهرتني الصورة دهشاً منبهراً، أحببنا تلك الصورة كما لم نحب صورة مثلها، وحين كبرنا استنسخنا منها نسخاً، وأحاطها كل واحد منا بإطار، وكلما تقدم بنا العمر لذنا بها، فتهبنا الدفء.
-3-
حين عرف جمهرة من النقاد الشعر، فعدوا منه قرب ما بينه وبين القارئ، لم يغربوا في التعريف. ربما حسبنا هذا التعريف متأثراً بعض تأثر بالتعبيرية الرومنطيقية، لكن هذا التعريف أحسست أثره في نفسي كلما مضيت في قراءة هذا الديوان، إن صاحبه مد ما بيننا وبينه من علائق ب«صنعة لطافة».
* كاتب سعودي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.