مشروعات تنموية في صامطة بأكثر من 605 ملايين ريال    الأمم المتحدة: المملكة قدمت دراسات عالية الجودة ومتّسقة مع أهداف التنمية المستدامة    عسير .. عشق الملايين    المستهلك المضطر يدفع الفرق !        الموارد البشرية تنفذ (26.644) زيارة رقابية وتضبط (1.089) مخالفة لأنظمة العمل و (121) مخالفة للإجراءات الاحترازية    غوتيريش يؤكد الاستعداد للمشاركة في مفاوضات سد النهضة        الأهلي يواجه ضمك في لقاء الظروف المتشابهة                        عبدالعزيز بن سعد يطلع على برنامج مشروعات التعليم    بلدية خميس مشيط تضبط خمسة مسالخ مخالفة    توقعات طقس السبت: استمرار تأثير الرياح النشطة المثيرة للأتربة والغبار على هذه المناطق    القصبي والسدحان.. صافي يا لبن        هلالية الهوى        التشريعات المتخصصة.. تحقيق للمساواة وإقامة للعدل    فرع هيئة الأمر بالمعروف بالشمالية ينفذ دروساً في الأمن الفكري            صافر.. قنبلة بيئية موقوتة يؤزّمها بطء التحرّك الدولي    89 مليار ريال إنفاق المستهلكين في يناير.. والأطعمة الأكثر نصيبا    1263 مركزا للانتخابات البلدية منها 424 للنساء    عبدالعزيز بن سلمان: إنهاء التخفيض الطوعي للنفط في الوقت المناسب    الاتحاد يتفوق على الوحدة برباعية    سالم الدوسري: نفذت وعدي مع الوليد بن طلال    «المنصة» ينتهي من تصوير الجزء الثاني ويجهز للثالث    ماهي العبقرية؟    مبدع الصورة بين مهتمّ وفاشل    البيت الأبيض: بايدن يعتقد أنه يجب إعادة النظر في تفويضات استخدام القوة العسكرية    سلسلة هزائم في أطراف مأرب تحيل حلم المليشيات إلى كابوس    باحث شرعي    مقتل 20 شخصًا نتيجة انفجار سيارة ملغومة في الصومال    الإرياني: تجنيد الحوثي الإجباري أباد قرى بصنعاء    التحالف: اعتراض مسيرة ثانية أطلقتها الميليشيات الحوثية تجاه خميس مشيط    القوات الخاصة للأمن البيئي تعلق على الفيديو المتداول لمطاردة واصطياد ظباء الريم    "الداخلية" تقرر عدم تمديد العمل بالإجراءات الاحترازية اعتبارًا من الأحد القادم باستثناء عدد من الإجراءات    القادسية يوقف قطار الشباب بتعادل مثير    الفرسان الدوليين في تحدي ختام بطولة كأس المرتجز لقفز الحواجز    "الأمن العام" يستعيد ذكرى أحد منسوبيه استشهد قبل 18 عاماً    ب حملة #ابدأ_استمر وزارة الرياضة توعي المجتمع بثقافة الرياضة    المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف: قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي اعترضت ودمرت (6) طائرات بدون طيار مفخخة أطلقتها المليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران    الإيسيسكو تثمن جهود المملكة وقيادتها في خدمة الإسلام وترسيخ قيم الاعتدال والوسطية    الصحة العالمية تحذر من موجتين ثالثة ورابعة لجائحة #كورونا    الحذيفي في خطبة الجمعة: الأمن بهجة الحياة ولا ينتفع الناس بالمعيشة مع فقد نعمة الأمن    أبها والفتح وصراع على نقاط البقاء ورياضيو عسير و جيزان يتوقعونها ابهاوية    الشيخ الشثري يوضح حكم كشف المرأة قدمها أثناء أداء الصلاة*    شاهد.. قائد مركبة يصطدم بسيارة أخرى في عسير ويهرب من موقع الحادِث    من الأسبوع المقبل.. مصادر: "الصحة" ستوفر لقاحات "كورونا" في المستشفيات الخاصة مجاناً    الناطق باسم قائد القوات العراقية ل"البلاد": المملكة حريصة على دعم أمن واستقرار بلادنا    محمد بن سلمان يا عز المملكة وفخرها    أمير جازان يدشن مشروعات تنموية في صامطة بأكثر من 720 مليون ريال    سمو أمير منطقة جازان يعزي في وفاة مدير هيئة تطوير المناطق الجبلية ورئيس بلدية مركز القفل السابقين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





القصيدة الخرساء
نشر في الرياض يوم 01 - 08 - 2012

قبل ربع قرن من اليوم كان الصراع على أشدّه في الساحة العربية بين أنصار قصيدة النثر وخصومها، فالأولون يعتبرون أن القصيدة الكلاسيكية، (ومعها قصيدة التفعيلة ضمناً) قد أفلست، وأن قصيدتهم بالتالي هي قصيدة الحاضر والمستقبل كما هي قصيدة الحرية أيضاً لأنها تحرر الشاعر من قيود كثيرة في طليعتها قيد الوزن والقافية، وتفتح أمامه الطريق نحو آفاق شعرية أرحب. وكثيراً ما أدلى هؤلاء، كدليل على تراجع الشعر التقليدي، بازدياد عدد الدواوين المكتوبة بأسلوب قصيدة النثر قياساً إلى عدد الدواوين الشعرية المكتوبة على طريقة الخليل بن أحمد، معتبرين أن هذه الظاهرة وحدها تؤكد قلبتهم على الفريق الآخر، وكون قصيدتهم ستتحول في يوم قريب إلى قصيدة الشعر الأولى. هذا في حين كان خصومهم برون أن ازدياد عدد دواوينهم على عدد دواوين سواهم لا يمكن أن يُعتبر مؤشراً على نفوذهم المتصاعد أن المتعاظم، ودليلاً على سيطرتهم على نادي الشعر. ذلك أن أي مثقف عادي، ومن خارج نادي الشعر أصلاً، يمكنه أن يُنجز ديوان شعر نثري في مدة لا تتجاوز الساعات العشرة في حين أن قصيدة عظيمة من الشعر قد تحتاج أحياناً إلى شهر حتى تُنجز.
فالشعر إذن لا يقاس بعدد الدواوين بل بنوعيتها. أما الصراخ الذي ينبعث كل صباح من الصفحات الثقافية التي يهيمن عليها الشعراء النثريون، فلا يجوز التعويل عليه والاعتداد به كدليل لا يُدحض على أن قصيدة النثر قد سجّلت انتصارات حقيقية في الساحة الأدبية. فكثيراً ما انتكست الأهواء والدعاوى ولم تحقق لأصحابها ما تمنّوا أن يحققوه.
ولعل كتاب «القصيدة الخرساء» للشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي كان أكثر الضربات الموجعة التي ألحقها خصوم قصيدة النثر بهذه القصيدة. فقد جرّدها هذا الكتاب من كل شعرية يمكن أن يدّعيها لها أصحابها، انتهى إلى القول إنها ليست مجرد شعر رديء، وإنما هي أياً نثر رديء. فلا هي بالشعر الجيد ولا هي بالنثر الجيد أيضاً، وإنما هي عبارة عن نثر باهت ركيك يكتبه في الأعم الأغلب ناشئون مبتدئون لا يعرفون قراءة نص شعري عربي قراءة سليمة. فكيف يمكن أن يُعتبر شاعراً من لا يجيد لغة المتنبي وقراءة شعره ومضامين وأسرار هذا الشعر على نحو وافٍ؟
على أن هناك من النقاد من أنصف أنماطاً من الشعر العربي، أو الأجنبي، المكتوب بأسلوب قصيدة النثر، وميّزه عن سواه من النظم النثري الركيك. قال هؤلاء بلسان الناقد المصري ماهر شفيق فريد (في كتابه الجديد تساعية نقدية الصادر عن مكتبة الآداب بالقاهرة): إن قصيدة النثر في أعلى تجلياتها - عند بودلير ورامبو ولافورج ولوثريامون، وعند أوسكار وايلد وإليوت - لا تقلّ امتلاء ً بالصور ولا تفجّراً بالإيقاع الداخلي المتولد عن حركة الفكر، والتوفيق بين النقائض وصراعها، والمراوحة بين أطوال السطور، والتكرار، والوقفات، وكسر التوقعات السمعية، والعلاقات بين السواكن وحروف اللين، والمراوحة بين الخبر والإنشاء - عن الشعر الذي يراعي الوزن والقافية. ولكن أين نجد مثل هذه الفضائل التعويضية في تلك الافرازات المريضة والتشكيلات الهلامية التي يخرجها شعراء قصيدة النثر وشواعره عندنا؟
وبعد أن يقول ماهر شفيق فريد إن أغلب ما يُنشر عندنا تحت مسمّى قصيدة النثر، ليس نظماً رديئاً وحسب، وإنما هو نثر رديء أيضاً، يلاحظ أن طوبوغرافية المطبوع منه على شكل أسطر مستقلة لا تستطيع أن تخفي الحقيقة الدميمة المتمثلة في أن هذا «الكلام» هو مجرد رصف لألفاظ، وسعي إلى الغرابة والتفرّد حيث لا عقل أصيلاً هناك ولا خيال مجنحاً ولا قدرة على التشكيل باللفظ مثلما يشكّل المثّال مادته في الصلصال أو الخشب أو الحجر أو النحاس.
وهناك ملاحظة أخرى تتصل بالإبداع الفني. فإليوت يلاحظ أن هذا الإبداع هو نقطة تقطاع بين الموروث والموهبة الفردية، أكثر شعراء قصيدة النثر عندنا لا يعرفون شيئاً تقريباً عن تراث العرب الشعري (أو سواهم من شعوب) وموهبتهم الفردية - إن وُجدت أصلاً - ناقصة النمو ولم ترتوِ من الاحتكاك بخبرات السابقين، لهذا تُخنق صورهم - مهما بدت جريئة غير مألوفة - في أن ترسم أفقاً جديداً أمام القارئ، وتظل تراكيبهم النجوية أقرب إلى الركاكة والخرق، وتعوزها صنعة الفن الرهيفة التي لا تتأتى لشاعر إلا بعد مران طويل واقتراب، يعقبه ابتعاد، عن آثار السابقين.
ثم إن لغة الشعر العربي تعتمد على الإيقاع الذي يتحقق بالوزن قبل أي عنصر آخر. وهذا جزء من عبقرية اللغة وخصائصها الباطنة. وغياب الوزن، بعد غياب القافية، عن نماذج قصيدة النثر يحرمها أولاً من الحق في أن تُعَدّ شعراً، وثانياً من أن ترسخ في ذاكرة القارئ بفضل إيقاعها الموسيقي، والمعروف أن الشعر الحق يحفر ذاته في الذاكرة كأنما بمبضع من فولاذ، ولا ينزلق من فوقها دون أن يترك أثراً كما تنزلق أمواج البحر فوق صخرة طحلبية مخضلة.
إدوار الخراط يزعم أنه ليس للقصيدة الحداثية شكل مسبق مفروض سلفاً (ويدخل في ذلك بطبيعة الحال الأعاريض والبحور والتفعيلات مستقرة الرسم). ولكن ما يقوله الخراط يصحّ فقط عندما تكون القصيدة جديدة حقاً، كبعض قصائد أنسي الحاج والماغوط وسواهما من الشعراء ذوي الموهبة، ولكنه لا يصحّ على قصائد العشرات من متوسطي الموهبة ممن لا يملكون صوتاً خاصاً ولا رؤية خاصة ولا لغة خاصة.
إن قصيدة النثر، كما يرى أحمد عبدالمعطي حجازي، شعر ناقص، وهي في أحسن الأحوال، كما يرى ماهر شفيق فريد، نثر يطمح إلى يلوغ وضع الشعر مثلما تطمح كل الفنون إلى وضع الموسيقى حيث لا انفصام بين الشكل والمحتوب. قصيدة النثر رافد بسيط من روافد التيار الشعري، ولا يمكن لأكثر من سبب أن تكون هي التيار الأساسي.
ولكن كل هذا لا يعني أن الحياة لا تفارق كل المنظومات العمودية. ففي الكثير من هذه المنظومات لا يعثر القارىء البتة على ما يصلها بالحياة المعاصرة، فما هي في واقع أمرها سوى تنويع على القديم أو استنساخ له، مع حدّ بسيط من التطوير لرؤى وتعابير كانت جديدة في زمانها ففارقتها الجدّة في ما بعد.
ويبقى أن الحق في التجريب، كما قال لويس عوض في مقدمته لديوان بلوتولاند، «حق أولي من حقوق الإنسان، طبيعي ومقدس ولا يقبل التجزئة». ولكن للتجريب شروطه المضمرة، ومنها أن يتوفر صاحبه على ثقافة تراثية وعصرية متينة، أي أن يكون مجهزاً تجهيزاً جيداً قبل إٍقلاعه، وإلا خاب مسعاه من أول رحلته. كما أن التجربة، تعريفاً، محاولة قد تصيب وقد تخطئ، واحتمالات الخطأ فيها كثيراً ما تكون أقوى من احتمالات الصواب، أما شاعر قصيدة النثر فحاطب ليل يلتمس طريقه في غابة دروبها غير مطروقة ولا معبدة. لذلك يكون احتمال ضلاله أكبر من احتمال ضلال من يسير في ظلال مورث السابقين.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.