لم يدعن «غنيمة» يوم عرفة تغدو من دون أن ينلهن نصيب من بركتها، ليكون هذا اليوم «الموعود» لهن في كل عام للتجرد من مسؤولياتهن «الدنيوية» والوقوف عند بيت الله المحرم عوضاً عن الوقوف بجبل عرفة. «سيدات مكة» يحيين شعيرة «عرفة» بطريقتهن الخاصة التي اعتدن عليها منذ عقود، بتخصيصه بالاعتكاف منذ بزوغ فجره وحتى غروب شمسه، وهن «راكعات»، «ساجدات»، «سابحات»، «ذاكرات»، «صائمات» داخل أروقة الحرم المكي الشريف، بعد أن خرج محارمهن إلى المشاعر المقدسة لخدمة حجاج بيت الله الحرام. وما إن يتبين «الخيط الأبيض» من «الخيط الأسود» من الفجر، حتى تشرع «سيدات مكة» بالنفرة إلى بيت الله الحرام، لتأمين أماكنهن داخل أروقته، وأداء صلاة الفجر بالقرب من «الكعبة»، ومن ثم أداء طواف تحية المسجد الحرام، لتبدأ تدريجياً ساحات الحرم المكي والمطاف بالامتلاء ويغشاها «سواد» عباءاتهن بعد «بياض» الإحرام» بعد أن غادرت آخر وفود حجاج بيت الله الحرام إلى «عرفة». وبلهفة وشوق.. تنتظر السيدات لحظة ارتداء «الكعبة» حلتها الجديدة، تسودها برهة صمت وترقب، وهن يرين «أغاوات» الحرم وهم يستبدلون ثوب الكعبة كما جرت عليه العادة السنوية، ويرصدن من خلالها العمل المتكاتف والجهود التي تبذل خلال لحظة التبديل، مع استرجاع لحظات تاريخ بناء الكعبة ومرورها عبر القرون. وتبدأ وفود السيدات تتوالى إلى المسجد الحرام لتجتمع كبيرات السن مع بناتهن وحفيداتهن وقريباتهن، ليقصصن عليهن قصص الأولين وتاريخ الحرم الشريف وطريقة أداء مناسك الحج منذ عقود، متجولات بين جبلي الصفا والمروة، مقتربات من مقام إبراهيم والحجر الأسود اللذين لا يتمتعان بهما طوال العام، نظراً إلى شدة الازدحام التي تشهدها أروقة الحرم، ما جعل «سيدات مكة» يخصصن الزيارة في يوم عرفة لخلوه من الحجاج والمعتمرين، إضافة إلى قلة أعداد الرجال الموجودين داخل أروقته في هذا اليوم. وفي الساعات الأخيرة من يوم عرفة، يشهد مطاف المسجد الحرام مشاهد مشابهة للحجاج الواقفين في عرفة، فترفع أكف النساء ومن معهن إلى السماء «داعيات»، «مهللات»، «سائلات»، «راجيات» أن يتقبل الله منهن حسناتهن، وتشملهن مغفرة اليوم المبارك.