كل أنواع الجود والكرم اتصف بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن الأمثلة العظيمة لتطبيق الجود والكرم بالمال ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم في الأمثلة الآتية: المثال الأول: وصف أنس رضي الله عنه لكرمه صلى الله عليه وسلم. عن أنس رضي الله عنه قال: «ما سُئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنماً بين جبلين فرجع إلى قومه فقال: يا قومي أسلموا فإن محمداً يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة». وهذا الموقف الحكيم العظيم يدل على عظم سخاء النبي صلى الله عليه وسلم وغزارة جوده، وكان صلى الله عليه وسلم يعطي العطاء ابتغاء مرضاة الله وترغيباً للناس في الإسلام وتأليفاً لقلوبهم، وقد يُظهر الرجل إسلامه أولاً للدنيا ثم – بفضل الله تعالى ثم بفضل النبي عليه الصلاة والسلام ونور الإسلام – لا يلبث إلا قليلاً حتى ينشرح صدره للإسلام بحقيقة الإيمان ويتمكن من قلبه فيكون حينئذٍ أحب إليه من الدنيا وما فيها. روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا غزوة الفتح - فتح مكة - ثم خرج عليه الصلاة والسلام بمن معه من المسلمين فاقتتلوا في حنين فنصر الله دينه والمسلمين، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ صفوان بن أمية مئة من الغنم، ثم مئة، ثم مائة. قال صفوان: والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ. وقال أنس رضي الله عنه: «إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها». كتاب الفضائل، باب ما سئل عليه الصلاة والسلام شيئاً قط فقال: لا، وكثرة عطائه. وإذا رأى صلى الله عليه وسلم الرجل ضعيف الإيمان، فقد كان عليه السلام يجزل له في العطاء قال صلى الله عليه وسلم: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليَّ منه خشية أن يُكبَّ في النار على وجهه»، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم «يعطي رجالاً من قريش المئة من الإبل». من كرمه وأخلاقه العظيمة في ذلك ما فعله عليه الصلاة والسلام مع المرأة المشركة صاحبة المزادتين، فإنه صلى الله عليه وسلم بعد أن سقى أصحابه من مزادتيها، ورجعت المزادتان أشد ملاءةً منها حين ابتدأ فيها قال لأصحابه: «اجمعوا لها، فجمعوا لها - من بين عجوة ودقيقة وسويقة - حتى جمعوا لها طعاماً كثيراً وجعلوه في ثوب وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، فقال لها: اذهبي فأطعمي هذا عيالك، تعلمين والله ما رزأناك من مائك شيئاً، ولكن الله هو الذي أسقانا». وفي القصة أنها رجعت إلى قومها فقالت: لقيت أسحر الناس، أو هو نبي كما زعموا، فهدى الله ذلك الصرم بتلك المرأة، فأسلمت وأسلموا. وفي رواية: «فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين ولا يصيبون ذلك الصرم الذي هي فيه، فقالت يوماً لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمداً، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام». وكان سبب إسلام هذه المرأة أمران: الأول: ما رأته من أخذ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مزادتيها ولم ينقص ذلك من مائها شيئاً، وهذا من معجزات النبي عليه الصلاة والسلام التي تدل على صدق رسالته. الأمر الثاني: كرمه صلى الله عليه وسلم حينما أمر أصحابه أن يجمعوا لها، فجمعوا لها طعاماً كثيراً. أما قومها، فقد أسلموا على يديها؛ لأن المسلمين صاروا يراعون قومها بإقرار النبي عليه السلام على سبيل الاستئلاف لهم، حتى كان ذلك سبباً لإسلامهم.