مسرح العنصرية هو النسيج الاجتماعي، فهي لا تولد من فراغ اجتماعي. والعنصرية والوصمة السلبية قد تجتمعان وتتلازمان، لكن الأُولى قد تنفك من الثانية. فعلى سبيل المثل، تُربَط صورة الشاب المتحدر من أصول مغربية في الضواحي الفرنسية بأحكام مسبقة سلبية في وسائل الإعلام، وقد تنهال عليه الشتائم. لكن التمييز العنصري قد ينزل بشخص من غير أن تُلحق به صور سلبية، وهذه حال النساء. وقد يكون المرء موصوماً بوصمة سلبية من غير أن تلتزم «معايير» عنصرية في التعامل معه، وهذه حال المثليين الذين قد يتعرضون للشتائم والإهانات، وينبذهم الأقارب والأصدقاء من غير أن يحرموا من وظائف العمل أو أن يحظر عليهم السكن في أحد المباني. وإدراك العنصرية يختلف وفق كفاءة المرء وموقعه الاجتماعي. فعندما يكون في أسفل السلم الاجتماعي يتعرض للعنصرية أكثر مما لو كان في أعلاه، لكن مَن هم في أسفله لا يشعرون بالعنصرية كما يشعرون بها حين يبدأون الترقي. ففي أسفل الهرم، تختلط العنصرية بألف مشكلة من المشكلات الاجتماعية، فالمرء قد يكون عاطلاً من العمل، مثله مثل أقرانه، وقد يكون راتبه متدنياً، شأن الآخرين، ويعيش في حي مضطرب... فحاله من حال المحيطين به. ولكن حين يبدأ بتذليل العقبات والترقي الاجتماعي، يصطدم بمترتبات العنصرية، فالشابة قد تفهم أنها لن تشغل منصب المدير لأنها أنثى أو لأنها متحدرة من اصل اجنبي، وفي مثل هذه اللحظة، يعتري المرء شعور حاد بالظلم. ومع الديموقراطية تبرز العنصرية، فالمساواة بين الناس تترافق مع الشعور بالتمييز، ففي عالم رقيق الجنوب الأميركي، وهو مصور في فيلم كوينتين تارانتينو الأخير «جانغو طليقاً»، السود ينزلون في عالم مُفارق للعنصرية، يهبطون فيه إلى مرتبة الكائنات الأدنى في خدمة كائنات أرفع. ولا يخفى على الجيل الأول من المهاجرين أنهم ليسوا من مواطني البلد المضيف، فالمراجع الثقافية غير مشتركة بين المضيف والمهاجر الطامح إلى تحسين ظروف عيشه، فيتكيف هذا الجيل مع العنصرية والتمييز، قائلاً لنفسه: «لا يعاملونني معاملة الند، لكن موقفهم مفهوم، فأنا مهاجر ودخيل». أما أولاد هذا الجيل فيشعرون بالغضب إزاء العنصرية، فهم ولدوا في فرنسا، وارتادوا مدارسها، ويشعرون بأنهم فرنسيون. لكنهم يواجهون صعوبات في شؤون الحياة اليومية لدى المبادرة، على سبيل المثل، إلى طلب إيجار شقة، شأن غيرهم من الفرنسيين، ويوقفهم رجال الشرطة ويفتشونهم، وحين يشاهدون التلفزيون، يسمعون أنهم مشكلة للفرنسيين الآخرين الذين يرون أنهم يهددون الثقافة الوطنية، فالوصمة النازلة بهم وثيقة الصلة بالبنى السياسية. وكأن مشكلة الهوية في أوساط الفرنسيين الأقحاح تصبح مشكلتهم هم، فيسري في أوساطهم الغضب. والأشخاص الذين قابلتهم لم يقولوا إنهم معرّضون للعنصرية ليلاً نهاراً، فالعنصرية متقلبة مثل تقلب أحوال الطقس. فعلى الصعيد الشخصي، لا يواجه المرء مشكلات عنصرية تعوق علاقات الحب أو تحول دون شبك صداقات والفوز بعمل. والسبيل إلى إخراج الشباب المتقوقع في الغيتو (الحارة) هو العدول عن تحويله مشكلة اجتماعية ووطنية. الشعور بالغضب تفاقم في الأشهر الأخيرة من حملة الرئيس السابق نيكولا ساركوزي الانتخابية، فإحدى لازمات هذه الحملة: «فرنسا ستكون افضل حالاً في غياب أمثالكم». ويرى أبناء المهاجرين أن اليمين الفرنسي ينصفهم، فعلى رغم أنه لا يستسيغ الأقليات، يراعي اختلافاتهم وتمايزهم، بينما يميل اليسار إلى تذويب اختلافاتهم، رافعاً لواء القيم الجامعة والعامة. ويسلط البحث الذي قام به فريق عملي الضوء على مسألة لا يستهان بها: وراء الأقليات، ثمة أفراد يطالبون بالتوجه اليهم على صفتهم هذه: «فأنا أمثلُ نفسي، اعترفوا بي كما أنا»، هو لسان حالهم. وهم يبغضون من يلصق بهم هوية مسبقة، سواء كان تمييزاً عنصرياً أو جنسياً. وقد يقال «أنت عربي، إذاً انت عنيف»، أو «أنت امرأة إذاً أنت غبية». تمر فرنسا الجمهورية والعلمانية في مرحلة انتقالية، ولطالما آثرت تصوير نفسها على أنها مجتمع أبيض مسيحي الحضارة ومندمج ثقافياً في الأمة الفرنسية. ولكن في العقود الثلاثة الماضية، لم تعد فرنسا مجتمعاً متجانساً، وصارت متعددة الأجناس ومختلطة. والانعطاف هذا يرقى إلى ثورة لم تقتصر على فرنسا، بل طاولت دولاً أوروبية أخرى، مثل ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا. والتغير هذا يثير القلق، لذا ثمة من يجنح إلى اليمين المتطرف من غير أن يعادي الأجانب لكنه يريد العودة إلى المجتمع المتجانس، وثمة من يميل في اليسار إلى بعث عهد الجمهورية الآفل. لكن أياً من الطرفين لن يسعه بعث فرنسا القديمة. * عالم اجتماع، عن «ليكسبريس» الفرنسية، 6/2/2013، إعداد منال نحاس