صباح الخير يا حلب. صباح الحب المُغمّس بالخوف والوجع، صباح الشوق المشوب بالأسى. صباح الصداقات المتروكة على قارعة الموت، والذكريات المتناثرة مع ركام المنازل التي لها في القلوب منازل. صباح القدود المجروحة الجارحة تشق الآهة نصفين، تُصدّع القلب وتبعث من تحت الجلد ألف بلد. صباح الحب يا شامة بلاد الشام، يا قرّة عين البلاد، يا تاريخاً تجسد في الحجر، وصار بغتةً خارطة خراب العرب. صباح الحُبّ يا عتيقة المدائن، كم من الأزمنة تسترق السمع في أزقة ليلك لحكايا الشعر والبطولة والأسلاف التاركين في كل زاوية من زواياك بصمة أو همسة، وتنصت لقرقعة سيوف فتوحات متعاقبة لم تنل منك وما زادتك إلا علماً وحكمة وتنوعاً. يا كتاباً مفتوحاً على آلاف من صفحات السنين والحنين والرخاء والشدّة، نتصفحك بعيون دامعة ونستعيدك حاضرةَ نثر وشعر وعلم ومعرفة، وجامعة علماء وأدباء وشعراء وشهداء وقادة وقّعوا أسماءهم على جبين الدهر. يا شهباء المدن، بيضاء القلب والوجه واليد واللسان. تعددت فيك اللغات والأسماء والوجوه والغزاة، وظللت عربية مغناجاً مثل موشح يتلوى في حنجرة مغنية وخصر راقصة ويتفتحُ وردةً في صدر عاشقة. صباح الصبايا العاشقات على شرفات الغروب، الحالمات بصباح آخر تفتتحه ديكة الفجر لا بواريد القناصة والقتلة. *** كيف لدمعة أن ترد مدينة من جوف الحوت؟ كيف صارت موسيقاك هدير طائرات وأزيز رصاص ودوي مدافع؟ كيف أتاك مغول العصر من كل حدب وموت؟ صباح الحب يا حلب.صباح فنانيك ورسّاميك ونحّاتيك وبنّائيك ونجّاريك وحرفييك ونسّاجيك، صباح الأيقونات المذهّبة بعرق النقّاشين، و الحرفيين يزيّنون أسواقك العتيقة بتعب السواعد والأنامل واللكنة المحببة. صباح قهرك ونهرك ومياهك العذبة التي تروي الظمأ وتجلي الحناجر فتصير الآهات أسراب يمام ترفرف في سماء الروح المنتشية بقدودك ومواويلك ومناديلك وعباءات لياليك المحتضنة مليون حلم وحكاية عشق وغرام. صباح أسراب العصافير المهاجرة قسراً، الباحثة عن سماء لا يلوثها دخان، وفضاء لا تصمّه انفجارات مميتة قاتلة لا تصنع غداً ولا تبشّر بولادة شمس جديدة. صباح الفستق الدامع كأنه عين باكية على مدن تفترسها عتمةُ جاهلية قروسطية. صباح الحجارة العتيقة المعتقة الناطقة بأكثر من لغة ولسان. صباح القلب المفطور، المشطور نصفين: نصف يستعيدك بهية وضّاءة، يصغي في ساحاتك وميادينك وشوارعك إلى صخب الحياة وزحام البشر وأصوات الباعة وضحكات التلامذة في صباحات ملاعبهم، ويخال الشعراء يختالون في أروقة مساءاتك مفتونين بالحُسن والدلال وبالخصب والخير الوفير يا مُطعمَة الامبراطوريات ومُلهمة العشاق و المبدعين. ونصف يبكي عليك وعلى حالك وحاله. كيف مشينا يا بلادي مع سبق الإصرار والترصد نحو موتنا العظيم؟ صباح الويلات والدويلات العائدة على ظهر خيل جاهلية أولى. صباح الدمع والحسرات والغصة المقيمة كجمرة في موقدة القلب. صباح الناس الطيبين المتعَبين الحالمين ببصيص في نهاية هذا النفق المسطوم، بفجر تولد أجنّة أشعته من رحم الدم والدمع والخوف والدخان.