«يا جبل ما يهزك ريح» و «حافظ كرامة أهل السنّة» وغيرهما من عبارات التبجيل العصبوي ذيلت صور الشيخ الصيداوي أحمد الاسير، التي، وللمفارقة، رفعت هذه المرة في بعض شوارع عاصمة الشمال طرابلس وفي ريفها العكاري. غالبية الصور علِّقت حديثاً، بعد فك اعتصام الاسير في صيدا وتلقيه «وعوداً جدية» من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في بحث سلاح «حزب الله» على طاولة الحوار المقبلة، على ما قيل، بما يشي بأن الصور وشعاراتها هي تأييد للنتيجة أكثر من وسيلتها. وكان الاسير في اعتصامه الذي دام شهراً تقريباً، مارس خلاله كل فنون التهريج والترفيه الاعلامي، جاعلاً من أدائه برنامجاً مثالياً لتلفزيون الواقع، أثار حيرة اللبنانيين وحنق الصيداويين الذين تضرروا اقتصادياً وسياسياً. فهو بدا مغرداً خارج سرب القطبين التقليديين الحريري - سعد من دون أن يتمكن أحدهما من استقطابه أو انكاره. فهو عملياً ابن المدينة وشكّل حالة جمعت حوله مناصرين/ ناخبين (بعد أقل من عام نظرياً) لكنه في الوقت نفسه تمرد في أكثر من مناسبة، آخرها اعلانه الاعتصام المفتوح حتى تحقيق المطالب. وسهلت تلك الجلبة التي أحدثها الشيخ وأتباعه، تقاذف التهم بتمويله سراً وعمله لأجندات أجنبية وخضوعه لمساومات محلية، لكنها سرعت بدورها في «لملمة» الامور من حوله عبر زعامة سنية أيضاً ولكن من خارج المدينة، هي الرئيس ميقاتي. وكما لم يعرف فعلياً لماذا نزل الاسير الى الشارع في ذلك التوقيت، لم يعرف لماذا غادره. فالوعد الذي تلقاه بطرح سلاح «حزب الله» على طاولة الحوار المقبلة، لا يقدم أي جديد: فهو علة وجود تلك الطاولة أصلاً والبند الفعلي الوحيد المطروح عليها، عدا عن أن الرد لم يتأخر من جانب «حزب الله»، إذ أعلن أمينه العام رفض نزع السلاح. ولكن، أياً تكن دوافع الأسير للاعتصام، ويحتمل ألا تتجاوز الرغبة الذاتية في الظهور أو تقديم نفسه كمعادل جنوبي لشيوخ الهوامش الشمالية، يبقى اللافت في تلك الشعارات التي غزت الشريط الممتد من مستديرة أبو علي عند تخوم التبانة وصولاً إلى حلبا، محورية «كرامة اهل السنّة» وأهميتها. ففي مدينة عرفت تقليدياً بعاصمة السنّة، ومنطقة تعتبر خزان الجمهور السنّي، تبدو تلك العبارة أقرب الى صرخة استجداء جماعي. صرخة أطلقت في 2005 إثر اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري وتعاقبت منذ ذلك الحين على صور ابنه، رئيس الوزراء السابق سعد الحريري، ثم صور اللواء أشرف ريفي فالنائب خالد الضاهر وصولاً إلى «فتوّات» باب التبانة، وأبرزهم «أسد السنّة» خضر المصري الذي توّجته ورقة نعيه «قائداً مجاهداً شهيداً». وحده رئيس الحكومة الحالي وابن طرابلس نفسها لم يحظ بهذا «الامتياز» ولا نسب إليه أحد ذلك الفضل. وإذا أخذت الصور والشعارات كمؤشر ظاهري لمزاج الشارع، فإن التقهقر في تلك الزعامة لا يدعو إلى التفاؤل، لكنه في المقابل يستدعي التفكير ملياً في ضائقة هذه الطائفة ومصادر حاجتها الملحّة للدفاع عن كرامتها، ولو من طريق «فتوّات» أحزمة البؤس أو شيخ يغني لعبدالحليم ويركب الدراجة أمام عدسات الكاميرا. لكن ما لا يريد سماعه كثيرون أن هذا الشيخ الذي يخلط الجد باللعب، قفز إلى هوامش طرابلس ومتن عكار متجاوزاً بيروت، لا لشيء سوى أنه يحاكي هموم الاطراف ويتماهى مع أبنائها. فهؤلاء لم يحسموا الجدل حول انتماء الاسير المزعوم لفريق 8 آذار مرة و14 آذار مرة أخرى. ولم يتحققوا من مصادر تمويله أو نياته الانتخابية المحتملة. ولم يتوقفوا أصلاً عند كونه شيخاً و «لعوباً» في الوقت نفسه وهم الذين اعتادوا الوقار واللغة الفصحى لدى شيوخهم. كل ما عناهم أنه جدد رفضه لسلاح «حزب الله»، مصدر خوفهم الاول، فيما تراجع «زعماؤهم» عن هذا السعي وتركوهم يتخبطون وحدهم عند محور التبانة - جبل محسن وفي شوارع طرابلس وهضبات وادي خالد، عند الحدود اللبنانية - السورية. أما آخر تلك المواجهات المعنوية التي خاضها أبناء الطائفة السنية وخرجوا منها منكسرين، فمع المؤسسة العسكرية التي يرفدونها بالجنود ولا يملكون فيها قراراً. وكان الاعتصام الذي بدأوه إثر مقتل إمام أحد المساجد ومرافقه عند حاجز للجيش في عكار انتهى من دون نتائج تحسب. أما الشيخ الصيداوي، فاستطاع وإن شكلياً، أن يستدرج رئيس الحكومة الطرابلسي ليفاوضه في معقل الزعامة السنية الحالية. وهو إذ ذاك لم يأت إلى الشماليين بل جاؤوا هم اليه، ونصّبوه زعيماً يصون كرامتهم ويحميها بعناد كبير وكلام بسيط يكاد يحتار معه المتلقي: أيتجاهله أم يأخذه على محمل الجد. والأسير مثل «أولاد دعوته» في تلك المناطق. إنه ابن الهوامش المدينية، نشأ في حارة صيدا، لا تحميه عزوة عائلة كبيرة ولا غطاء سياسي، كما إن صلته ببيروت خارجية وطارئة، يأتيها لتظاهرة هنا أو تجمع هناك. فلا هو خاطبَها ولا هي خاطبته. والشيخ الذي استوقف كثيرين وأثار دهشتهم لصلته الوثيقة بالمطرب فضل شاكر، مزيج من التدين والبهرجة. إنه ابن بيت «فني» و«مختلط» كما تقول سيرته. فوالده عمل مطرباً، وأمه «شيعية» من صور. الصور الجماعية لأسرته التي نشرها أحد المواقع الإلكترونية تشبه سبعينات لبنان حين كان يصعب تمييز الطائفة أو المذهب من المظهر الخارجي. والأسرة في تلك الصورة تحاكي أسراً كثيرة من ذلك الزمن في طرابلس وعكار، تماماً كما يحاكي اليوم الأسير (الابن) أبناءها. فهو يلخص حال طائفة تديّن أبناؤها رداً على إحباطات الأهل، واقتصرت في ذهن السياسيين على المدن، فيما مزاج جمهورها يتكون ويحتقن في الضواحي والأرياف.