أيام قليلة تفصلنا عن حلول الذكرى الثانية لرحيل الشاعر والأديب غازي القصيبي، ال15 من آب (أغسطس) المقبل، «قيثارة الصحراء»، كما أسماه الشاعر الأردني حيدر محمود، إذ لا ينبغي أن تمر هذه الذكرى مرور الكرام، فالاحتفاء وإعادة التذكير بمنجز الراحل لا بد أن يبقى ويترسخ، ليس له وحده، إنما للراحلين الذين أسهموا في بلورة ملامح الأدب والفكر والثقافة في المملكة. تذكر الراحلين أصحاب الإنجاز لا بد أن يتحول إلى تقليد تتبناه المؤسسة الثقافية الرسمية، وفي مقدمهم وزارة الثقافة والإعلام، وإذ تناست أو نست الوزارة، فلا بد من تذكيرها بما لهؤلاء الراحلين من واجب عليها. يرى بعض المثقفين أن الكتابة عن الراحل القصيبي، صاحب الإبداعات المتعددة، تحد حقيقي، وحيرة تأخذك إلى عالم متعدد الآفاق، وتنقلك سيرته إلى دنيا من التنوع الإبداعي، وأبواب مشرعة كثيرة لا تعرف من أيها تدخل إلى ذلك العالم! فغازي الشاعر والأديب والمفكر والروائي ووزير العمل الذي رأيناه «نادلاً» يقدم الطعام للناس في مطعمٍ بمدينة جدة، كان يهدف لإيصال رسالة للشباب أن العمل وكسب لقمة العيش شرف تفتخر به بلادنا، وهو ذاك الإنسان الذي تبرع بمرتبه كاملاً في آخر 30 سنة لجمعية الأطفال المعوقين، إذاً أنت أمام شخصٍ استثنائي ليس ك «رجلٍ جاء ..وذهب» فهو من جمع بين الوزير والشاعر، وبين الروائي والديبلوماسي. سنتنقل بين عوالم (الغازي) وآفاقه، نستذكر في ذكرى السنة الثانية من وفاته رحمه الله سيرة هذا الرجل وحياته. يقول الدكتور عبدالله الغذامي ل«الحياة»: «عندما صدر كتاب «الحداثة في ميزان الإسلام» للدكتور عوض القرني، كان الدكتور غازي رحمه الله في البحرين، وقرأ الكتاب فأرسل إليّ رسالة وكان منزعجاً، واقترح ألا أترك الموضوع يمر وأن أتحرك لمنع التأثير السلبي للكتاب. أنا حقيقةً لم أكن أتصور فعلاً بأن الكتاب سيثير جدلاً وليس فيه ما يستحق، لكن الأيام أثبتت أن حدس الدكتور غازي رحمه الله كان في محله، بينما أنا كنت مخطئاً، وما زلت أرى إلى اليوم الآثار التشويهية في نفوس شريحة من الناس، هذا يعني أن فكرة الدكتور غازي تمثل قراءة صحيحة ودقيقة للمجتمع». وأضاف الغذامي: «مما أتذكره عندما كان سفيراً في لندن رحمه الله، وهو في وهجه الكامل من إنتاج ثقافي ومن الوجاهة الاجتماعية والسيايسة، سئل سؤالاً صحافياً ما الذي تتمناه في الحياة؟ فقال: «إنني لا أتمنى سوى شيء واحد وهو التوبة النصوح». وهذا مما أثر في نفسي رحمه الله، ولا أنسى المودة التي كانت بيني وبينه كإرسال الرسائل والاتصالات، وكنت أرسل له الكتب التي تصدر لي مباشرة، وكان من طبعه لا يهدي الكتب ولا يرسلها وأول ما يراني يسألني هل قرأت كتابي الفلاني فلا أستطيع أن أقول له لا، وكان الأستاذ عبد المحسن العكاس رحمه الله يؤمن لي نسخة من كتب الدكتور غازي ويقول لي أخبر الدكتور غازي بأني أحضرت لك الكتاب رحمهما الله». وأشار إلى أن الدكتور غازي رحمه الله كان قريباً جداً منه فقد كان يتصل به دائماً، ويسأله عن بناته وعن أحوالهن وأخبارهن. ويقول الغذامي: «الدكتور غازي له قدرة هائلة بالسيطرة على المجلس مهما كان عدد الحضور وكانت سيطرته بالمحبة، فإن تريد المزاح فهو أفضل واحد يطلق النكت، وإن تحدثنا في السياسة فحضوره القوي ومعرفته بمداخل السياسة يحدثنا بالشيء الكثير، وإن تكلم عن المجتمع أو الثقافة أو الشعر أو الأدب فيتكلم ويمتعنا بحديثه، وقد كانت ذاكرته قوية رحمه الله يتذكر الأشياء الصغيرة جداً تاريخه ممتلئ. أذكر مرة أنني كتبت مقالاً عنه فهاتفني وقد تأثر بالمقالة والدمعة في عينيه وقد عبرت عن مشاعري تجاهه في تلك المقالة، فغازي صاحب القلب القوي والشجاع إلا أنه في أوقاتٍ أخرى صاحب القلب اللين جداً، فلا ننسى اهتماماته ومواقفه مع الأطفال المعوقين والمحتاجين، وكانت إيجابيته عالية جداً، فمن كان يعاديه في فترة من الزمان أصبحوا أخيراً أصدقاء»، مشيراً إلى الفترة الأخيرة من حياته، «كانت بينه وبين الشيخ سلمان العودة والشيخ عائض القرني صداقة بعد كل المشكلات القديمة التي كانت بينهم، فقد كان يحمل لهما كل المحبة ونسوا جميعاً كل ما حدث في تلك الحقبة واعتبروه صراعاً ماضياً بين طرفين قويين معاً وفهم بعد ذلك بعضهما بعضاً». غازي القصيبي رحمه الله شخصٌ في شخصياتٍ متعددة، فسيرته في كتاب «حياة في الإدارة» طالب الكثير من المثقفين في بلادنا بتدريسها لكل مسؤول وكل إداري ليحذو حذوه. ومن الأعمال المهمة للراحل رواية «شقة الحرية» التي تحكي التجربة الغنية والثرية لغازي في تلك الحقبة كما يُقال، في زمن القومية العربية ورائحة الثورات عام 1956. ثم رواية «الجنية» وفيها يسأل: «أيتها الجنية..هل أنت الحرية؟ أيتها الحرية هل أنت الجنية..؟!» ولا تفتأ أن تنسى «الجنية»، حتى ترى «سحيم» واقفاً أمام القبيلة يتعرض نساءهن شعراً. ولن ننسى البيتين الذين جاءت في قصيدته «ابتهال قلب»، وكتبهما حينما صنفوه ب «العلماني»، إذ قال فيهما: رب إن عبد ضعيف ضعيف/ حشد الناس حوله ما يخيف/ هو في مجمع الرياح وحيد/ والعدا أينما أطل ألوف». ثم تفاجأ بهذا العمل من غازي وهو الرقم «7 سبعة» رواية في أحد المدارات ل «سبعة» رجال من «عربستان» يحكون قصصهم وأحداث ومواقف ل «سبعة» أيام مثيرة بالمفاجآت في رحلة إلى جزيرة ميدوسا. ولا ننسى «سلمى» مديرة المخابرات في عهد جمال عبد الناصر، لتأخذك إلى «سلمى» متعددة المواهب في كل الأزمان لأيام المستعصم ورسالة هولاكو! لا يندهش القارئ حين يفاجئك غازي ب «الأسطورة» الأميرة الراحلة ديانا، وصورها معه، فهو الذي قال فيها حين استقبلها عام 1986: «أطلت ديانا كضوء الصباح.. فلم يبق قلب هنا ما شرد». وإذا توقفت في مجرة الشعر ستجد أمامك ما يحيرك ويدهشك فهذا «عقدٌ من الحجارة» وذاك «الإلمام بغزل الفقهاء والأعلام» وقصيدة «الأشج» و«الخليج يتحدث شعراً ونثراً» و «معركة بلا راية» و«قطرات من ظمأ» و لم ينس غازي «للشهداء» فقال فيهم: «يشهد الله أنكم شهداء.. يشهد الأنبياء والأولياء.. متم كي تعز كلمة ربي.. في ربوع أعزها الإسراء». لقد كان «سعادة السفير» محاولاً الولوج إلى «حكاية حب» بعد «العودة سائحاً من كاليفورنيا» لتنتهي مجموعة الروايات ب «الزهايمر». وأخيراً يأخذنا إلى «حديقة الغروب» ليودع أهله وأحبابه، ويودع بلاده قائلاً: «ويا بلاداً نذرت العمر زهرته.. لعزها دمتِ إني حان إبحاري».