إذا كانت الممثلة الأميركية ميغ راين جميلة وذات جاذبية مميزة، إلا انها تمثل في الوقت نفسه الدليل القاطع على أن هذه الصفات وحدها لا تكفي من أجل صنع نجمة سينمائية يسند اليها المخرجون الأدوار الجادة، فهي عملت طوال 15 سنة في أفلام كوميدية خفيفة أو شعبية، وعندما جربت حظها مرة أو مرتين في أعمال درامية فشلت هذه الأعمال تجاريا وعادت ميغ إلى الفكاهة التي أصبحت علامتها المميزة والتي تضمن لها النجاح من دون قيد أو شرط. فجأة لاحظتها السينمائية الأسترالية المعروفة بعبقريتها والحائزة على جوائز دولية عدة عن فيلمها "البيانو"، جين كامبيون، فطلبت مقابلتها من أجل اختبار يخص فيلمها IN THE CUT في الجرح الدرامي البوليسي والجريء في آن، نظرا الى مواقفه العاطفية الحميمة بين البطلين، علما أن ميغ راين لم تمثل اطلاقاً في أعمال تضمنت مثل هذه اللقطات. والفيلم من إنتاج نيكول كيدمان التي كانت مرشحة أصلا لأداء الدور ثم اعتذرت في اللحظة الأخيرة بسبب انشغالها بالعمل في فيلم آخر يتم تصويره في الفترة نفسها. وكيدمان صديقة راين منذ سنوات طويلة، وهي التي لفتت انتباه المخرجة جين كامبيون إليها لاعتبارها ان تجربة مثل هذه، على درجة كبيرة من الأهمية، بالنسبة الى ممثلة من نوع راين، أي جميلة توحي بالرقة والنعومة والمرح، بينما هي في الحقيقة قادرة على التعبير عن أقوى المشاعر وأداء أصعب المواقف أمام الكاميرا. غير أن راين كانت في حاجة ماسة إلى كسر صورتها السينمائية، خصوصاً بعدما كسرت كل شيء في حياتها الخاصة وانفصلت عن زوجها الممثل الوسيم دينيس كويد بعد زواج دام أكثر من عشر سنوات، لتعيش قصة حب ملتهبة مع النجم الأسترالي راسل كرو بطل فيلم "غلادياتور" الذي خيب أملها بسرعة وغادرها بعدما اعتقدت أنها عثرت فيه على فارس أحلامها الجديد وأن حكايتهما كانت ستدوم مدى الحياة. ووافقت راين على أداء بطولة "اين ذي كات" بعدما أقنعت المخرجة جين كامبيون بصلاحيتها للدور، وها هي مرشحة لجائزة أوسكار كأفضل ممثلة عن هذا العمل الذي يروي كيف تقع امرأة في غرام مفتش الشرطة الذي يحقق في جريمة قتل وقعت في المبنى نفسه الذي تسكنه هذه المرأة، ومع مرور الوقت تشك في أن الشرطي قد يكون هو القاتل وتشعر بالخطر يهددها بسبب علاقتها معه، الى أن تكتشف الحقيقة في ظروف مأسوية دامية عبر لقطات تتسبب في منع الفيلم للصغار أينما عرض. تبلغ راين من العمر 42 سنة، واذا كان الحظ قد لعب دوره أخيراً بشكل كبير في مسيرتها الفنية عبر لقائها جين كامبيون الا انه لا يمكن تجاهل موهبتها الكوميدية الفذة، فالجمهور لم يخطئ حتى الآن في الاقبال بلهفة على أفلامها المرحة وتكريسها ممثلة شعبية محبوبة في العالم كله. زارت ميغ راين باريس من أجل الترويج لفيلمها الجديد فالتقتها "الوسط" في هذا الحوار: حدثينا عن كيفية فوزك ببطولة فيلم "اين ذي كات" المختلف كليا عن أعمالك السابقة؟ - كانت كامبيون تستعد لتصوير فيلمها "اين ذي كات" قبل سنتين، ولم تعثر على تمويل من الشركات المنتجة الكبيرة لأن السيناريو كان يروي قصة امرأة تعيش فترة صعبة من حياتها على المستوى العاطفي والمهني غير أن علاقتها مع شقيقتها الشابة والشقية في تدهور متواصل، من دون أن يتمتع النص بحبكة بوليسية أو عاطفية، وهذا ما أرادته كامبيون بالتحديد، بمعنى أن الحبكة تتلخص فقط في ما يحدث لهذه المرأة اليائسة من واقعها اليومي. وعندما قرأت نيكول كيدمان النص فكرت في أن تطرحه بنفسها على شركات انتاج مستخدمة نفوذها وشهرتها من أجل اقناع المسؤولين بانتاج الشريط واعدة بأنها مستعدة لأداء الدور الرئيسي فيه مما قد يجلب الجمهور العريض الى الصالات. وعلى رغم هذا الضمان المزعوم رفضت شركات الانتاج المشروع، الا اذا أدخلت كامبيون بعض التعديلات على السيناريو، مثل حبكة بوليسية اجرامية وحكاية عاطفية قوية. وفعلت كامبيون ذلك بذكاء كبير اذ أنها لم تجعل من فيلمها عملاً بوليسياً تقليدياً أو فيلماً عاطفياً جريئاً، مثل عشرات الأفلام التي نشاهدها كل عام، بل روت حكايتها الأصلية نفسها، ولكن مغلفة في اطار عاطفي وبوليسي، مثل ان يكون البطل هو القاتل أيضاً، وطرحت النص الجديد على كيدمان التي رفعته الى شركات انتاج مرة ثانية، واقترحت أن تشارك شخصيا في الانتاج، وبالتالي حصلت كامبيون على التمويل اللازم وشهد الفيلم النور. أما أنا، فقد اتصلت بي كيدمان وهي صديقتي الحميمة، وروت لي أن كامبيون تود لقائي لتتحدث معي عن مشروعها الجديد من دون أن تصرح لي بأن اللقاء كان في الحقيقة بمثابة اختبار لقدراتي الدرامية. وخرجت شخصياً من الموعد وعقد البطولة في جيبي. الفاتورة الشهرية ما حقيقة الصداقة بينك وبين نيكول كيدمان؟ - تعرفت الى نيكول في أحد استوديوهات التصوير قبل سنوات طويلة، وجمعتنا على الفور صداقة قوية لا تزال تربط بيننا وان كنا لا نرى بعضنا البعض مثلما كنا نفعل في الماضي، بسبب ارتباطاتنا المهنية. لكن الهاتف الخليوي يسد هذا النقص الى حد ما ونحن نستعمله بكثرة مما يرفع قيمة الفاتورة الشهرية طبعا تضحك. عرفت كيدمان النجومية قبلك، وأقصد كممثلة درامية جادة تستحق الجوائز، فهل قدمت اليك النصائح بهذا الصدد؟ - نعم، شجعتني كثيرا ولا تزال تشجعني وترفع من معنوياتي عند الحاجة، وهي لم تكف عن ترديد هذه العبارة لي، خصوصاً عندما كانت تلاحظ الحزن في عيني وفي طريقة كلامي في شأن الاطار الفكاهي السطحي الذي حبسني فيه أهل هوليوود: "دور واحد يكفي ليغير مجرى الأمور في حياتك". انها كانت على حق، والدور الذي غير حياتي هو ذلك الذي أديته في "اين ذي كات". أنت جميلة وموهوبة، فكيف تفسرين انتظارك الطويل لتحقيق النجاح كفنانة متكاملة؟ - أشكرك على المجاملة، ولا أعرف كيف أرد على السؤال بالتحديد غير أن التواجد في المكان المناسب وفي الوقت المناسب هو سر النجاح مهما كانت الموهبة متوافرة أساسا، فغالبا ما اعتبرني بعضهم بمثابة بهلوان نسائي يسلي الجمهور العريض من دون أي تساؤل عن مدى امتداد قدراتي الى ما هو أبعد من هذا الحد. ما الذي تغير في حياتك عقب نجاح "اين ذي كات" الفوري عقب ظهوره في الصالات الأميركية؟ - أول ما تغير هو حصولي على عروض تتعلق بأدوار سينمائية درامية أو عاطفية جريئة. والشيء الثاني الذي تغير، ولكنه لا يعجبني كثيرا، هو كون الناس يتحدثون الي في الطريق وفي الأماكن العامة وهذا كان يحدث في الماضي أيضا الا أن الطريقة تغيرت فأصبحوا يعلقون على اللقطات الجريئة التي مثلتها في "اين ذي كات" بدلا من أن يشكروني على كوني أضحكتهم في آخر أفلامي مثلا، ما يمنعني الآن من التردد على المحلات الكبيرة وبعض المتاجر والمطاعم التي اعتدت التردد عليها في الماضي. أنا حزينة لهذا الشيء لأنني أعشق المشي في الطريق وزيارة المحلات لمجرد اكتشاف ما يباع فيها وربما اقتناء ما يعجبني في بعض الحالات، وها أنا محرومة من هذه المتعة. كثيرا ما يجري الاعلام مقارنة بينك وبين النجمة السينمائية الجديدة ناومي واتس، فما رأيك في ذلك؟ - مع احترامي الشديد لناومي واتس دعني أخبرك بأن الصحافة تقارنني أيضا بتيبي هيدرن وغريس كيلي ونجمات هوليووديات أخريات عظيمات، وعلى رغم ذلك لا أشعر بأي فخر وأفضل أن أفرض نفسي بفضل شخصيتي المميزة من دون المرور بخانة المقارنات مع الزميلات القديمات أو الحديثات في المهنة. ظهرت في لقطات جريئة جداً مع الممثل مارك روفالو في "اين ذي كات"، فهل كان من الصعب عليك الخضوع لمثل هذه التجربة؟ - شعرتُ بخوف كبير عندما قرأت هذه اللقطات في السيناريو، لكن سرعان ما فسرت لي المخرجة كامبيون طريقتها في تصوير المشاهد فمنحتها ثقتي ودار الأمر بشكل عادي ومرن وسهل الى حد ما، ويعود الفضل في ذلك الى كوني شاهدت أفلام كامبيون السابقة، لا سيما "البيانو" الذي تضمن لقطات اباحية صعبة بين النجمة هولي هانتر غير المعتادة على هذا النوع من المشاهد، والممثل هارفي كايتل، ولاحظت كيف تم تصوير هذه المشاهد وكأنها لوحات فنية مركبة بمهارة ومزينة باضاءة بارعة تحول المشهد الجريء العادي جداً الى تحفة فنية فريدة من نوعها، وبالتالي تأكدت من صحة كلامها عندما شرحت لي نيتها في تصوير اللقطات المعنية. هل تفضلين الآن العمل تحت ادارة امرأة بدلا من المخرجين الرجال؟ - لا، فكوني، مثلت في فيلم واحد تحت اشراف مخرجة لا يعني انني أصبحت أحقد على جنس الرجال وعلى المخرجين بشكل خاص، فأنا لا أفرق بين المرأة والرجل في ميدان العمل اذ لكل من الجنسين حساسيته الفنية وطريقته الخاصة في التعبير عن حبكة ما. لكنني أعتقد بأن العمل مع امرأة ساعدني على تقبل حكاية الظهور في مشاهد جريئة ولا أدري ما اذا كنت مستعدة لفعل الشيء نفسه تحت ادارة رجل مثلا. هل قررت اعتزال اللون الفكاهي نهائيا؟ - لا أبداً، بل على العكس أنوي قبول أول عرض أتلقاه في شأن فيلم مرح حتى أبرهن لجمهوري انني لست حبيسة نوع معين مهما كان يفيدني مهنياً ويجلب لي الترشيحات في أكبر المسابقات مثل جوائز الأوسكار التي ستنعقد قريباً والتي أحلم باقتناء أحد تماثيلها، خصوصاً ذلك الخاص بأحسن ممثلة طبعاً. هل تتمتعين قليلا بزيارة باريس أثناء اقامتك فيها؟ - نعم فلم أترك قطعة منها من دون أن أزورها، وأنا أحمل عناوين أفضل المطاعم منذ زرتها لأمثل في أحد أفلامي الكوميدية "قبلة فرنسية". انها حقا مدينة ساحرة وثرية في تماثيلها ومتاحفها ونشاطاتها الثقافية والحياة فيها تبدو حلوة في نظري