القيادة تعزي رئيس بنغلاديش في وفاة رئيسة الوزراء السابقة خالدة ضياء    بنك فيجن يعزز حضوره في السوق السعودي بالتركيز على العميل    بذل أكثر من نصف مليون ساعة عمل تطوّعي في المسجد النبوي خلال العام 2025م    سباق بين إنتر ويوفنتوس لضم كانسيلو    الأطفال يعيدون رواية تراث جازان… حضورٌ حيّ يربط الماضي بجيل جديد في مهرجان 2026    المغرب تجدد دعمها للحفاظ على استقرار اليمن ووحدة أراضيه    الأفواج الأمنية تُحبط تهريب ( 37,200) قرص خاضع لتتظيم التداول الطبي بجازان    السعودية وتشاد توقعان برنامجا تنفيذيا لتعزيز التعاون الإسلامي ونشر الوسطية    القيادة تهنئ الرئيس غي بارميلان بمناسبة انتخابه رئيسًا للاتحاد السويسري    سبعة معارض فنية تعيد قراءة الحرفة بمشاركة أكثر من 100 فنان وفنانة    البلديات والإسكان تبدأ إصدار أكثر من 60 ألف فاتورة لرسوم الأراضي البيضاء في الرياض    نزاهة تحقق مع 466 مشتبها به في قضايا فساد من 4 وزارات    حرس الحدود يشارك في التمرين التعبوي المشترك «وطن 95»    إرشادات أساسية لحماية الأجهزة الرقمية    أمير القصيم يزور معرض رئاسة أمن الدولة    وزير الداخلية السوري يحذر «فلول النظام البائد» من نشر الفوضى    زيلينسكي يناقش مع ترمب تواجد «قوات أميركية»    التحول الديموغرافي.. التحديات والحلول    فنزويلا تبدأ خفض إنتاج النفط وسط الحصار الأميركي.. والصين تتضرر    ارتفاع السوق    تخطى الخلود بثلاثية.. الهلال يزاحم النصر على صدارة «روشن»    ولي العهد ورئيس وزراء باكستان يناقشان تطورات الأحداث    الرياضة.. من رعاية الهواية لصناعة اقتصادية    الخيبري: الاتفاق استغل فرصتين    رونالدو أعلى اللاعبين دخلاً في العالم    المملكة أكبر مستورد عربي للأغذية والمشروبات بقيمة 6.6 مليارات دولار    34.5 % نمو الاستثمار الأجنبي في المملكة    «الأزيرق».. الشتاء يطرق الأبواب    احذروا من أخطار الفحم    أطول كسوف شمسي في أغسطس 2027    مسابقة أكل البطيخ تودي بحياة برازيلي    «عالم هولندي» يحذر سكان 3 مدن من الزلازل    من التخطيط إلى التنفيذ.. «إكسبو 2030 الرياض» ترسي مشاريع البنية التحتية والمرافق الأساسية    "التعاون الإسلامي" تجدد دعمها للشرعية اليمنية ولأمن المنطقة واستقرارها    في 26 أولمبياد ومسابقة آيسف العالمية.. 129 جائزة دولية حصدها موهوبو السعودية    تعزيز البحث العلمي في المجال الإسعافي    الجوائز الثقافية.. رافد أساسي لتطوير الحراك الثقافي    علي الحجار يقدم «100 سنة غنا» غداً الجمعة    المنتدى السعودي للإعلام 2026 يطلق ثاني لقاءات مبادرة "ضوء" في القصيم لاكتشاف الريف والاقتصاد المحلي    أكد أن مواقفها ثابتة ومسؤولة.. وزير الإعلام اليمني: السعودية تحمي أمن المنطقة    طالب إسرائيل بالتراجع عن تقييد عمل المنظمات.. الاتحاد الأوروبي يحذر من شلل إنساني في غزة    تلويح بالحوار.. وتحذير من زعزعة الاستقرار.. الاحتجاجات تتسع في إيران    زوّجوه يعقل    عملية لإطالة عظم الفخذ لطفل    24 شركة تفوز برخص للكشف عن 172 موقعا تعدينيا    المملكة تستعد لانطلاق النسخة السابعة من رالي داكار    إجماع دولي على خفض التصعيد ودعم الحكومة اليمنية    التدريب التقني يطلق ورشة عن بعد لتعزيز العمل التطوعي    أول عملية لاستبدال مفصل الركبة باستخدام تقنية الروبوت    نائب أمير تبوك يستقبل رئيس وأعضاء مجلس إدارة جمعية طفلي الطبية بالمنطقة    20 عيادة تمريضية متخصصة يطلقها تجمع جازان الصحي    تكليف عايض بن عرار أبو الراس وكيلاً لشيخ شمل السادة الخلاوية بمنطقة جازان    جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية تنظّم حفل اعتماد الدفعة الأولى من الاعتماد البرامجي    فلما اشتد ساعده رماني    «وطن 95».. تعزيز جاهزية القطاعات الأمنية    باحثون يطورون نموذجاً للتنبؤ بشيخوخة الأعضاء    مسحوق ثوري يوقف النزيف الحاد في ثانية    خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي العهد يعزيان أسرة الخريصي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"الوسط" تزور المدرسة الحقانية في بيشاور لتخريج "طالبان" . البرنامج الدراسي مادة واحدة : الثورة الإسلامية
نشر في الحياة يوم 21 - 08 - 2000

على طول الطريق المؤدية الى بيشاور، المدينة الباكستانية الشمالية على الحدود مع أفغانستان، تتراصف الأحياء الطينية والمنازل الصغيرة من دون انتظام ويغلب عليها لون رملي باهت، يزيد من قتامته الدخان المنبعث من عوادم السيارات ويضفي عليه مزيداً من الشحوب الغالب أصلاً على المنطقة وعلى سحنات سكانها.
تضطرد كثافة هذه الأحياء وضجة أهلها كلما اقتربت من بيشاور. وللحظة يخال الزائر نفسه في كابول. أحياء ومناطق تقطنها غالبية أفغانية، وقبل الوصول الى بيشاور بخمسة وعشرين كيلومتراً الى الشرق وفي منطقة "آكورا شاتك" يقع بناء يشبه المسجد يطل على الطريق العام، ولولا إشارة الدليل لكان من الصعب تمييز المدرسة الدينية او "الجامعة الحقانية" وسط ازدحام البشر واكتظاظ الأحياء بحيث باتت المدرسة جزءاً متداخلاً معها، وظهر من حركة الداخلين والخارجين انها مرفق يومي من حياة العامة من الأفغان والباكستانيين.
شهرة هذه المدرسة الدينية واسعة في باكستان وأفغانستان على حد سواء، فهي كانت احدى الركائز الأساسية للتعليم الديني والتدريب العسكري في الثمانينات للمجاهدين الأفغان ولاحقاً لحركة طالبان، بل باتت تعرف بأنها أحد "المعامل" الكبرى والأساسية لتخريج المجاهدين الذين تعلم وتدرب معظمهم ولا يزال في باكستان.
ويظهر العدد الكبير للطلاب في المدرسة من مختلف الأعمار والأبنية الحديثة التي يتم تشييدها في مساحات خلفية ان مثل هذه المؤسسات هي في طور التوسع وليست مجرد تجسيد باهت لحقبة وأفكار نعتقد خطأً ربما أنها أصبحت من الماضي.
في أوقات الفراغ يجتمع صديق الله مع زملائه من الأفغان والباكستانيين وعدد آخر من الطلاب من دول آسيا الوسطى في الباحة الخارجية للمدرسة المطلة على الطريق العام وعلى الاحياء السكنية المجاورة من دون ان يشعروا فعلاً انهم معزولون عنها. صديق الله شاب أفغاني في التاسعة عشرة من عمره، أرخى لحيته ولبس الثوب الأفغاني التقليدي. درس منذ طفولته في هذه المدرسة الدينية، ويعتبر وجوده في هذه المدرسة مرحلة اعداد، فهو يحضر نفسه "للذهاب الى الجهاد في سبيل الله" ليتحقق حلمه بالثورة الاسلامية، لذلك هو ينسق مع الطلبة الذين سبقوه الى أفغانستان.
أحمد خان وهو زميل صديق الله يطمح ويجتهد كي يتمكن من الذهاب الى الشيشان، فقد سبقه الى هناك زملاء شيشانيون تعلموا معه في المدرسة قبل ان يذهبوا الى القتال ضد الروس الى جانب مجموعة شامل باسييف. يقول أحمد: "حين ننهي دراستنا سنذهب الى أفغانستان ومنها الى آسيا الوسطى ثم الشيشان ومختلف الممالك التي تقع تحت سيطرة الروس". وما ان ينتهي حتى يطلق أحمد وصديق الله وجمع من زملائهم صيحات "الله أكبر" مؤكدين بأصوات متداخلة ان حلم الثورة الاسلامية سيتحقق.
معظم طلبة هذه المدرسة هم من أفغانستان. المئات منهم ولدوا وعاشوا في ظروف معيشية قاسية في مخيمات اللاجئين الأفغان المنتشرة في باكستان والتي تضم قرابة مليوني أفغاني، وهناك أعداد أخرى تأتي من أفغانستان خصيصاً للتعلم فيها.
هناك أعداد كبرى من اللاجئين يدرسون في حلقات دينية خارج المخيمات ليكملوا لاحقاً في مدارس مثل المدرسة الحقانية.
الانتماء الى مثل هذه الحلقات والمدارس الدينية أمر راسخ في وجدان الكثير من العائلات الافغانية التي قد لا تأبه كثيراً لعدم قدرتها المادية على إلحاق أبنائها بمدارس نظامية تعليمية، لكنها لا تساوم في مسألة ارسال ابنائها وبناتها الى المدرسة الدينية المجانية وذات التقديمات الاجتماعية.
لماذا المدارس الدينية؟
من المعروف ان الخلفيات التي انطلق منها الأفغان في حربهم ضد الاجتياح السوفياتي وفي تأسيس "طالبان" لدولة اسلامية هي خلفيات "جهادية" بنتها مدارس دينية، وغالبية هذه المدارس تقع في باكستان وإليها انتسب آلاف من الطلاب الافغان الذين تعذر عليهم الانتساب الى مثل هذه المدارس في بلادهم نظراً الى تقلب الاوضاع والانتشار الواسع لمثل هذه المدارس في باكستان منذ الاستقلال.
لم يكن بناء "دار العلوم الحقانية" في بداية الامر مبنياً على فكرة مسبقة او تخطيط، لكن جاءت فكرة هذه الجامعة عندما استقلت باكستان، فعندما انفصلت باكستان عن الهند عام 1947 كانت مجموعة من طلاب الدين يدرسون في الجامعة الاسلامية "ديوبند" في الهند، وأثناء تقسيم شبه القارة أنشئت "الحقانية" بعدما أغلقت الطرق بسبب الاحداث.
بدأت المدرسة كحلقة علمية وتوسعت الى ان أصبحت جامعة تعترف بها مرجعيات اسلامية عدة. يدرّس في المدرسة سبعون استاذاً من أفغانستان وباكستان. معظم أساتذة المدرسة وطلابها يجيد العربية التي تعد لغة أساسية في مناهج التعليم الى جانب الأوردو والبشتو الأفغانية.
في العام 1967 طلبت "الحقانية" من جامعة الأزهر النظر في المناهج التي تدرسها، وقد عادل الأزهر شهادة الجامعة الحقانية في كليتي اللغة العربية والشريعة والقانون. وبعد ذلك حصلت الجامعة على دعم واعتراف جامعات إسلامية في دول عدة.
وتهدف الجامعة، بحسب المشرفين عليها، الى الدعوة والتوعية والتنشئة الدينية وقمع البدع والجهاد، وتعتمد على بعض المحسنين من داخل باكستان وخارجها وهي لا تقبل الدعم من الحكومة الباكستانية لئلا يكون لها تأثير عليها. والدعم المادي هو في الغالب من قبل أفراد ومؤسسات خاصة.
في الطابق الأرضي من مبنى المدرسة مكتبة كبيرة يتحلق حولها طلاب يقرأون كتباً ومجلدات اسلامية. هذه الغرفة هي "دار الفتوى" وفيها يدرب الطلاب ليصبحوا مفتين، ففضلاً عن القتال يقوم خريجو المدرسة الحقانية بالتدريس والخطابة والامامة والافتاء، ويحكمون في قضايا مختلفة من الزواج الى القصاص والحرب.
أساتذة "طالبان"
يشرف على المدرسة المولى سميع الحق وهو ابن مؤسس المدرسة وأمينها العام حالياً. ولسميع الحق دور أساسي في تأسيس حركة المجاهدين الأفغان. فهو عمل لمحاربة العلمانية في باكستان. ويروي كيف حاولت الحكومة العسكرية في الستينات تطبيق قانون الاحوال الشخصية الذي كان يتضمن بنداً يتعلق بتحديد النسل ومنع تعدد الزوجات الا برضى المرأة. ويفتخر سميع الحق انه وجمعية علماء المسلمين نجحوا في الغاء هذه القوانين التي اعتبروها عرفية، كما انهم رفضوا ولاية المرأة عندما كانت السيدة بنازير بوتو رئيسة للوزراء.
يعيش سميع الحق في مسكن مجاور للمدرسة مع زوجته الثانية وأبنائه. أما زوجته الاولى فتعيش في منزل آخر في الحي نفسه. ومع ان سميع الحق يدافع عن "طالبان" وسياستها ويعتبر انها اعادت الأمن الى أفغانستان وحفظت كرامة المرأة فيها، وهو حين يتحدث عن احترام "طالبان" للنساء تتأثر ملامح وجهه ويبدو كأنه سيغرورق بالدموع، لكنه يعتقد في المقابل ان هناك تشدداً لا ضرورة له، فهو مثلاً يقبل بالصور الفوتوغرافية ويحرص على مشاهدة التلفزيون ويسمح لعائلته بذلك وهو أمر تمنعه "طالبان" في أفغانستان. ويقول انه يحاول اقناع قيادات "طالبان" بأن يتكيفوا مع العصر لهذه الناحية وأنه هو نفسه ونظراً الى إجادته العربية يحرص على متابعة مختلف القنوات العربية ولم يخف اعجابه بالفضائيات اللبنانية.
سميع الحق يرى ان الجامعة الحقانية الى جانب المعرفة الدينية، تهدف الى "ترسيخ مفاهيم الجهاد ضد الكفار" خصوصاً الروس والاميركيين. وقد طلبت واشنطن رسمياً من اسلام آباد اقفال هذه المدرسة. ويقول سميع الحق: "اذا قام المسلم ضدهم دفاعاً عن الحرية يصبح ارهابياً. ان أميركا هي اكبر مصدر للارهاب ومقاومتها هي جهاد ولا حل معها سوى بالجهاد".
أحد أهم أدوار المدرسة الحقانية، ومعظم طلابها من الأفغان، هو إعداد المجاهدين فكرياً وعقائدياً وعسكرياً، وإن كان الشق العسكري غير ظاهر علناً.
10 آلاف متخرج
المولى شيرلي شاه هو أستاذ الحديث في المدرسة وهو أحد الزعماء الروحيين الذين ساهموا في تأسيس طالبان، يقول ان الجامعة تعلم هذه السنة ثلاثة آلاف طالب من بلدان شتى، لكن العدد الأكبر من أفغانستان. مضيفاً: "إن الطلاب يلقنون الجهاد، ومعظم خريجي هذه الجامعة كانت لهم علاقة بالجهاد في أفغانستان، 80 في المئة من خريجي المدرسة لهم دور في الجهاد الأفغاني".
ويشرح شيرلي شاه مراحل التعليم في المدرسة فهي من الابتدائية وحتى "العالمية" كما أسماها أي الجامعية، وقد تخرج اكثر من عشرة آلاف طالب من المدرسة الحقانية.
تستقبل هذه الجامعة طلاباً من طاجكستان وتركيا والشيشان وعدد قليل من الدول العربية، ويشير شيرلي شاه الى ان "الحقانية" تسعى لأن تشرف على تربية أطفال الشيشان وتركمانستان تربية اسلامية جهادية صحيحة.
وتعج صفوف المدرسة بالأطفال وهي المرحلة الوحيدة التي تستقبل الفتيات لتعليمهن القرآن ثم تتشعب الصفوف حتى المراحل الجامعية.
ويقدم معهد تعليم القرآن في "الحقانية" خدمات للطلاب الذين لا يستطيعون مواصلة مراحل تعليمهم الدراسية لسوء وضعهم الاقتصادي، وقسم الحفظ والتجويد هو أحد المراحل الأساسية في تعليم النشء المبادئ الدينية ومعظم طلاب هذه المرحلة من أبناء الشهداء الأفغان. تتواصل المدرسة الحقانية مع بعض علماء الأزهر وعلماء في الجزائر والسعودية واليمن والمغرب والإمارات.
انتشار المدارس الدينية
ويدافع سميع الحق وشيرلي شاه عن سياسة "طالبان"، ويجيب شيرلي شاه بابتسامة أبوية حين يسأل عن تشدد "طالبان" وموقفها تجاه النساء لجهة منعهن من التعليم والعمل فيقول: "ان الطلاب هم رحماء فقد أحيوا حقوق الناس الكفرة والمسلمين"، وهنا يقاطع المولى سميع الحق ليؤكد ان "طالبان" أحيت حقوق النساء خاصة، فيثني شيرلي شاه ويكبر ويقول: "ان المجاهدين السابقين كانوا يخطفون النساء أما اليوم فنحن نملك بيتنا وزوجتنا في حين لم تكن قبل مجيء طالبان زوجتي هي زوجتي ولا سيارتي هي سيارتي فقد كان هؤلاء المفسدون يأتون ويقبضون على النساء وهذه كانت قيمة المرأة عندهم، لكن حين أتى الطلاب أتى الأمن والسلام والهدوء، فالله يحب ان تكون المرأة مثل ثمرة التين محفوظة والله يحلف بالتين. ان الله يصف الحور بأنهن حور مقصورات في الخيام فالعيون حين تقع على وجه المرأة لا تبقي حصنها لأن العين لها سموم".
قد تكون "الحقانية" الأقدم والأكبر بين المدارس الدينية لكنها ليست الوحيدة. يقول مرويز هودباي وهو محلل سياسي وأستاذ في جامعة إسلام آباد ان عدد المدارس الدينية تضاعف من مدارس عدة لديها برامج عسكرية، اذ يلازم التعليم العسكري مع التعليم الديني تترسخ مفاهيم الجهاد، وهذا يهدف الى تمويل جيش "طالبان" وتقويته وفي الوقت نفسه جلب مفاهيم الثورة الاسلامية الى باكستان.
المجتمع الافغاني في باكستان والذي يقدر عدد افراده بقرابة المليوني نسمة، مشتت وتغلب على تجمعاته، سواء في المخيمات او في الاحياء، مظاهر الفقر والامية التي تتزايد كل يوم. ويقابل ذلك انتشار كبير للجمعيات والمدارس الدينية التي يعد الانتساب اليها منذ الصغر لازمة لا تحيد عنها العائلات الافغانية. وتوفر المدارس الدينية تعليماً مجانياً وتقدم الطعام للطلاب والمسكن والرعاية الصحية والاجتماعية. انها مصدر التعليم الوحيد لأغلب الاجيال الجديدة من الشباب والاطفال الافغان.
يقول هودباي: "ان الاهل يريدون ارسال أبنائهم الى مدارس يتلقون فيها التعليم بشكل مجاني ونظامي، وظاهرة المدارس الدينية تنتشر وتزداد بسرعة بحيث ان عددها منذ ثلاثين عاماً كان محدوداً مقارنة مع عددها اليوم، وهذه المدارس تحصل على الدعم من الخارج بكثرة لذا فهي في منافسة قوية مع المدارس النظامية الحكومية".
ويتباهى القيمون على المدرسة الحقانية بأن معظم عناصر حركة "طالبان" هم من خريجي هذه الدار، فيقول شيرلي شاه: "ان الطلاب في أفغانستان يعتقدون بأن هذه الجامعة هي فريدة ووحيدة في تربية العلماء تربية جهادية، لأنه ما من وزير ولا اي مسؤول في امارة أفغانستان الا وهو خريج هذه الجامعة وكل طالب يسعى للحصول عليها تبركاً".
الممالك الأوروبية والأميركية
وتلقى حركة "طالبان" تعاطفاً كبيراً لدى أساتذة وطلاب هذه المدرسة، ويرد شيرلي شاه اعجابه ب"طالبان" الى ان الطلاب قطعوا يد قطاع الطرق وأرجلهم وأن الطرق الآمنة الوحيدة في العالم هي في أفغانستان، وأن الجامعة الحقانية تسعى الى تخريج مثل هؤلاء "اي رجال طالبان" ليعم الأمن والسلام ولا يكون الامن الا بالاسلام.
وينتقد الطالب الافغاني في الحقانية أحمد خان ما يصفه بمواقف "الممالك الأوروبية والأميركية" الخاطئة تجاه حركة طالبان، "يقولون ان حركة "طالبان" ارهابيون، انهم ليسوا بإرهابيين. لقد جاء الطلاب بالأمن والأمان وهم يقيمون الحدود وكل ما أمر به الله". وعن سياسة "طالبان" يقول: "ان النساء شيء ثمين والشيء الثمين لا يمكن وضعه في الخارج كي يلعب به الصبيان والناس. الشيء الثمين يوضع في الصندوق في البيت ولا يخرجونه الى الشارع، لذلك نحن اخترنا ان نسكن النساء في البيوت ولا يخرجن فيكن لعبة للصبيان".
ويصف هودباي الأفغان بأنهم أناس محافظون بشكل كبير وهم معتادون على تقاليد قبلية ولديهم نظرة قديمة، وهم متشددون في ممارستهم تعاليم الاسلام وهذا أمر يعود الى ما قبل ألف عام وقد جلبوا معهم هذا التشدد الى باكستان وغذوا المجتمع به.
واللافت ان نموذج المدرسة الحقانية هو في ازدياد كبير في باكستان وأفغانستان، فاستقرار الوضع في باكستان يجعلها تجذب عدداً أكبر من الطلاب من البلدين ومن مختلف الجمهوريات الاسلامية في آسيا الوسطى، بحيث بات الانتماء الى مثل هذه المدارس نوعاً من الالتزام لدى الباكستانيين والأفغان على حد سواء. يقول هودباي: "ان عدد التلاميذ الذين يتدربون في هذه المدارس تضاعف كثيراً الى درجة انه في السنة 2010 سيكون عدد التلامذة الذين يدرسون في المدارس الدينية مواز لعدد التلامذة الذين في المدارس النظامية، في حال استمر عدد هذا النوع من المدارس في النمو كما هي الحال الآن، اذ تنمو بمعدل 3 في المئة سنوياً ومن دون تعليم مدني، ومع هذا النوع من التعليم في المدارس تشير التوقعات الى مستقبل مظلم. علينا ان نفعل شيئاً والا فإن المجتمع المدني سينهار".
قاعات مقفلة وصامتة
ولعل ما يزيد من التباس وظائف هذه المدارس ومن غموضها تلك القاعات المقفلة والصامتة التي لا يتاح للزائر من غير تلامذة "الحقانية" ان يعرف ما يدور داخلها، وعنها يقول الطلاب انها دروس سرية. طلاب هذه الصفوف لا تتجاوز اعمارهم الثالثة عشرة. دخلوا غرفاً وأوصدت الابواب خلفهم. هي حكماً ليست صفوف التدريب العسكري فهذا التدريب يحصل في معسكرات بعيدة عن المدارس ولا يعلن عن أمكنتها. وذلك الصمت الذي يرد به السؤال عن تلك القاعات يبعث في المرء من جديد تلك الاسئلة عن معاني انتشار طقوس وتوريات لا يمكن نسبتها الى التدين أصلاً. فطقس هز الرؤوس عند القراءة والترتيل من قبل الطلاب الاطفال الحليقين بشكل غير منسجم ولا يسمح للأستاذ ان يتابعه، يذكّر بأنماط غير اسلامية لهذا التصرف خصوصاً ان ترتيل الاطفال ليس سوى ترديد لجمل لا يفهمونها، وقد لا ينافي وضع الرجال كحلاً في أعينهم أصول الدين، لكنه من جهة أخرى تزين نافر. ويبدو واضحاً أن أنماط العيش واللبس والاعتقاد تتسرب عبر هذه المدارس الى المجتمع الافغاني في باكستان والى المجتمع الباكستاني المستعد بدوره لقبول هذه الانماط. وهذا التسرب يحصل في غفلة عن الجميع هناك ليزيد الهوة بين هذا المجتمع الهجين والمخلّع وبين ما درج المرء على اعتقاده حياة سائرة في بقاع الأرض الأخرى


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.