لم يسبق لأسعار الذهب منذ أكثر من 10 سنوات أن استقرت عند مستويات متدنية، كما هي الحال الآن، في الوقت الذي يستبعد فيه الخبراء حصول أي تحسّن مهم، أقله في المدى المنظور. وقد عكست التصريحات الأخيرة لرئيس المجلس العالمي للذهب جون ويلسون مثل هذا التشاؤم السائد في الأسواق العالمية، إذ رأى أن ثمة "مؤامرة دولية"، تقودها مصارف مركزية ضد المعدن الأصفر، لمصلحة الدولار. وبحسب التقديرات التي أعدها المجلس، فإن هبوط الأسعار الى مستويات متدنية، تقل عن 275 دولاراً للأونصة، سيساهم في زيادة المتاعب المالية التي يعاني منها، عدد غير قليل من المناجم، في مناطق مختلفة من العالم. ووفق التقديرات نفسها، فقد ساهم تراجع الاستثمار في قطاع المعادن، في دول عدة، في أفريقيا، وفي الولاياتالمتحدة وأميركا اللاتينية، الى هبوط قياسي في الانتاج، الى ما دون ال2500 طن في السنة، في مقابل أكثر من 4500 طن، قبل 10 سنوات. ومن وجهة نظر المجلس، فإن المفارقة التي تعاني منها الأسواق العالمية للذهب، هي أن هبوط الأسعار لم يؤد هذه المرة، الى زيادة الطلب، خلافاً للقاعدة الاقتصادية التي تقول أن هبوط أسعار سلعة رئيسية ما، يمكن أن يكون حافزاً لارتفاع الطلب عليها، وتالياً الى تحسّن أسعارها. ويرى ويلسون أن هبوط الانتاج العالمي، قابله قيام مصارف مركزية عالمية بالتخلي عن جزء مهم من الاحتياطات التي تملكها، عبر بيعها في الأسواق، على غرار ما فعله البنك المركزي البريطاني، في النصف الثاني من العام الماضي، وهو ما أدى الى هبوط قياسي في الأسعار، الى أدنى مستوى لها، منذ عشر سنوات. ويفسر الخبراء المخاوف التي يبديها مجلس الذهب العالمي باتجاه عدد أكبر من الدول، الى إعادة هيكلة احتياطاتها، والتخلي عن الذهب كغطاء نقدي لعملاتها الوطنيّة. ومن وجهة نظر هؤلاء، فإن الدول الصناعية ما زالت تملك احتياطات ضخمة من المعدن الأصفر برسم تسييل جزء منها. فالولاياتالمتحدة التي تملك أكبر اقتصاد في العالم، ما زالت أيضاً تملك أكبر احتياط من الذهب، يصل الى حوالي 170.8 آلاف طن، وهو رقم يمثل 55 في المئة من الاحتياطات النقدية التي تملكها. الى ذلك، فإن دول الاتحاد الأوروبي ما زالت في طليعة الدول التي تملك احتياطات كبيرة من الذهب، وعلى سبيل المثال، فإن الاحتياط الألماني، يصل حالياً الى 3469 طناً، فيما يقدر الاحتياط الفرنسي ب3024 طناً، بينما تملك ايطاليا 2452 طناً، في مقابل 3217 طناً يملكها صندوق النقد الدولي. وعلى رغم أن الدول، والمصارف المركزية فيها، قلّما تكشف عن خططها في هذا المجال، إلا أن الاعتقاد السائد هو أن ضخامة الاحتياطات التي تملكها الدول الصناعية من الذهب، يمكن أن تشكل سبباً لتسييل جزء منها، في الظروف التي تختارها، وهو ما سيؤدي حتماً الى مواصلة الضغوط على الأسعار. وكانت المصارف المركزية في عدد غير قليل من الدول الصناعية قد أعلنت صراحة عن نيتها، إعادة النظر بما تملكه من احتياطات ذهبية، باتجاه توسيع قاعدة هذه الاحتياطات، وتنويعها. ومن الأسباب التي يقول المجلس العالمي للذهب أنها ساهمت في ارتفاع أسعار صرف الدولار، تجاه غالبية العملات الأخرى، ليس فقط ما يتصل منها بالنمو الاقتصادي الذي تحققه الولاياتالمتحدة، وانما أيضاً بتحول عدد أكبر من الدول الى الدولار، كجزء رئيسي من الاحتياطات التي تملكها كغطاء نقدي لعملاتها المحلية. الى هذه الاعتبارات، فإن هبوط أسعار المعدن الأصفر قد بدأ يتحول الى دافع رئيسي لتخلي عدد أكبر من الدول عن احتياطاتها من الذهب، أو تقليص حجم هذه الاحتياطات، بحجة تجنب المزيد من الخسائر. أما في الدول العربية، وعلى الرغم من الأهمية الخاصة التي ما زال المعدن الأصفر يحظى بها، أقله من الناحية النفسية، فإن غالبية دول المنطقة قد نجحت في تكوين قاعدة واسعة من الاحتياطات لديها. وعلى سبيل المثال، فإن مساهمة الذهب في تشكيل الاحتياطات التي يملكها البنك المركزي المصري لا تزيد عن 4 في المئة، 76 طناً، فيما لا يمثل الاحتياط من الذهب في المغرب أكثر من 3 في المئة من الاحتياط الاجمالي، ولا يزيد عن 6 في المئة في الأردن. ومع أن السعودية تملك أكبر احتياط من الذهب في منطقة الخليج 144 طناً، إلاّ أن نسبة هذا الاحتياط الى الاحتياطات العامة في المملكة لا تتجاوز 17 في المئة، في مقابل 13 في المئة في الكويت، و2 في المئة فقط، في دولة الامارات، و3 في المئة في البحرين. وفي المقابل، يعتبر لبنان الاستثناء الوحيد بين الدول العربية، إذ يصل احتياطه من الذهب الى 287 طناً، ما تساوي قيمته أكثر من 30 في المئة من الاحتياطات العامة التي تملكها الخزينة، ومع أنه سبق لبعض المسؤولين المصرفيين اللبنانيين أن أثاروا النتائج المترتبة على استمرار الاحتفاظ باحتياط كبير نسبياً من الذهب، إلاّ أن قرار التخلي عنه لمصلحة الدولار وعملات عالمية أخرى، لم ينضج بصورة كافية، على ما يبدو، نتيجة الاعتبارات السياسية الداخلية، وقرار مجلس النواب وضع يده على كل القرارات المتعلقة باحتياط البلاد من الذهب