لم يكشف بيان وزارة الداخلية المصرية تحليل المصريين الذين روعوا بأحداث الفتنة الطائفية التي بدأت في قرية الكُشح وامتدت الى قرى مجاورة في محافظة سوهاج في صعيد مصر، وأسفرت عن مقتل اكثر من 20 قبطياً وإصابة عشرات المسلمين والاقباط. ولم يُشف البيان، الذي وصف الجناة بالعناصر الاجرامية المصرية للشغب، غليل مسؤولي الامن الذين فاجأتهم أحداث الكشح بعد ان كانت اعصابهم تهيأت للراحة عقب احتفال مصر بألالفية الميلادية الجديدة الذي لم تتخلله أحداث على رغم اقامته في سفح الاهرامات المفتوحة وسط 50 الف متفرج بينهم اعداد كبيرة من الاجانب. البيان الذي اكد عودة الهدوء وتوقيف الجناة ودفن الضحايا في جنازة جماعية شاركت فيها كل الطوائف القبطية والاسلامية، لم يضع كل النقاط بل كل حروف حادثة الكشح الثانية التي يجري الكشف عن اسبابها من خلال فريق من محققي نيابة أمن الدولة العليا في مصر. واللافت ان كل التقارير وتصريحات المسؤولين استبعدت ضلوع اي من عناصر الجماعات المتطرفة وتنظيماتها المنتشرة في صعيد مصر في احداث الكشح، كما لم يشأ اي تنظيم متطرف ان يشارك ولو ببيان في تلك المعركة الدائرة بين اقباط ومسلمين، وعدا بعض التظاهرات في شوارع القرية ومدينة دار السلام التي تتبعها ادارياً الكشح وتعد اكبر مدن محافظة سوهاج التي رددت شعار "الله اكبر" لانتفت الصيغة الطائفية عن تلك الاحداث. وهذا ما شدد عليه منتصر الزيات المحامي الذي استبعد اي دور للاسلاميين في ما جرى في قرية الكشح التي تبعد عن مدينة دار السلام خمسة كيلومترات وتبعد عن القاهرة 700 كيلومتر شرقي النيل. ولوحظ ان اجهزة الامن منعت المراسلين الاجانب والصحافيين المصريين من دخول الكشح وفرضت فيها حظر التجول لمنع تدهور الموقف، خصوصاً ان العنف امتد الى مدينة دار السلام وعدد من القرى التابعة لها إثر شائعات عن ضحايا من المسلمين من اهالي الكشح. النقلة النوعية التي تمثلت في استخدام الطواف بمشاعل الحريق في الشوارع ومطاردة المجني عليهم في قيعان المنازل تعكس اساليب عصابات استغلت الوضع على نحو ما جاء في بيان وزارة الداخلية. وكما يقول مصدر قريب من الاحداث، فإن المشاجرة بين التاجر المسلم والآخر القبطي التي اشعلت الفتنة كانت ستمر لولا الاجواء المشحونة التي خلفها ما جرى في آب اغسطس 1998 في القرية نفسها وتحدثت عنه وسائل الاعلام باعتباره دليلاً على اضطهاد الاقباط في مصر تحت سمع الشرطة وبصرها. ويلفت المصدر نفسه الى التداعي السريع للحادثة الاخيرة التي بدأت بمشاجرة عادية بين تاجر قماش قبطي وتاجر فاكهة مسلم انضم اليها آخرون من الطائفتين، اذ أن كل جانب اطلق اشاعات، احداها وصلت الى مدينة دار السلام تزعم بأن المصابين الاقباط قتلوا، فصعد الاقباط سطوح المنازل وهاجموا المسلمين، فما كان من الآخرين سوى الرد على شائعة اخرى بأن أقباط الكشح يطاردون الأقلية المسلمة في القرية ويقتلونهم فانتقلت العدوى الى قرى اخرى. الغريب انه لم يكن هناك ما يشير الى امكان تفجر الموقف بهذا الشكل المروع. فكما قال محمد عبداللطيف رئيس قرية الكشح فإن الاحوال في القرية هادئة عادة، خصوصا في شهر رمضان حيث تتعدد مظاهر الوحدة الوطنية. التداخل الشديد بين منازل الاقباط والمسلمين في القرية جعل الفصل بين الجانبين من جانب قوات الامن مستحيلاً، فالقرية التي تبعد عن مدينة سوهاج 65 كيلومتراً يستحيل التمييز بين اقباطها ومسلميها الذين يعيشون على الزراعة والتجارة، يصلي المسلمون في اربعة مساجد. ويقيم الاقباط قداس الاحد في اربع كنائس وهناك مسجد وكنيسة تحت الإنشاء الآن. الكشح يسكنها 23 الف نسمة، وهي البلد التجارية الوحيدة من ثلاث قرى تشكل مركز دار السلام احدى اهم مدن محافظة سوهاج ويقصدها الآلاف من سكان القرى المجاورة صباح يوم الجمعة كل اسبوع حيث السوق الرئيسية التي تقام فيها بعد صلاة الجمعة. وخلال الايام الماضية صامت القرية كلها بعد أن توافق شهر رمضان مع فترة صيام الأقباط. وتعد الكشح اكبر القرى في المنطقة وتبلغ مساحتها 20 كيلومترا وهي مقسمة الى ست مناطق شياخات يرأس معظمها أقباط. ومعظم اطباء القرية من الاقباط، وكذلك الصيارفة والتجار وهؤلاء جمعوا أموالاً كافية لترميم كنيسة العذراء في الكشح من دون اعتراض من المسلمين بل ساعدهم مسلمون في عمليات الترميم التي جاءت ضمن 150 ترخيصاً لترميم كنائس وافق عليها محافظ سوهاج احمد بكر، وهو اكبر رقم لترميم الكنائس ربما في سوهاج كلها وجاء بعد تفويض الرئيس حسني مبارك للمحافظين في اصدار قرارات الترميم. يحرس القرية مخفران للشرطة، مهمتها حراسة 7273 فداناً تزرعها القرية ذرة وقصباً وقمحاً. وقوات المخفرين ثبت انها لم تكن كافية لمنع الفتنة الاخيرة التي تعد الاخطر من نوعها في مصر منذ احداث منطقة الخانكة شمال القاهرة في 1972 التي اسفرت عن مقتل 9 من الاقباط، وأحداث قرية صنبو في محافظة اسيوط في 1994 التي سقط فيها 13 قبطياً. البابا شنودة بطريرك الاقباط الارثوذكس ذهب كعادته الى دير وادي النطرون رافضاً التعليق على ما جرى، بينما التزم الانبا باخوم اسقف سوهاج الصمت، واكتفى الانبا ويصا اسقف البلينا من المدن الكبرى في محافظة سوهاج بتصريحات ملتهبة أدلى بها لبعض وكالات الانباء العالمية. المفكر القبطي البارز الدكتور ميلاد حنا قال ل"الوسط": ان هذه الاحداث تدل على ان هناك "مصرين": مصر المتحضرة الراقية التي تعيش في اطار ثقافي متوازن، على رغم وجود مشاكل كثيرة تحت الرماد، ثم مصر البعيدة عن المركز التي تنشط فيها جمعيات متطرفة تخلق مناخاً مسموماً يؤذي الاقباط بالذات. وفي ما يتعلق بالكشح يقول ميلاد حنا: هناك ظروف اقتصادية غير مواتية بسبب تفشي الفقر وظروف ثقافية تعلي العصبية والتخلف وظروف مجتمعية حيث غالبية من الاقباط واقلية من المسلمين، وكانت هناك معالجات امنية شابها قصور لأحداث 1998، ما ساعد على ان تتكرر المأساة بهذا الشكل، وقبل ان يفصل القضاء في الواقعة الاولى. ويضيف ميلاد حنا: إن الطريقة التي عولج بها الامر في المرة الاولى كانت سطحية. كما ان اهالي الكشح ليسوا مندمجين، ويشعر الاقباط منهم بأنهم مضطهدون. ويقول ان المسلمين في مصر عموما يشعرون ان مصر اسلامية ولا يبنغي لأي قرية تحت اي ظروف ان تكون فيها غالبية مسيحية، وهذا توجه ثقافي خطير كانت له انعكاسات خطيرة في اكثر من منطقة في مصر منذ بداية السبعينات. وذكر حنا ان الاقباط في قرية الكشح اشتكوا من ممارسات بعض رجال الشرطة ضدهم ومع ذلك لم يتم التحقيق معهم واكتفى المسؤولون بنقل بعضهم للعمل في اماكن اخرى. وقال ان المناخ من تتالي الاحداث الاخيرة أثبت ان الموضوع تصاعد مما يعني انه كان امام رجال الشرطة والحكم المحلي فرص كي يتدبروا الامر قبل ان يصل الى هذه الحالة من القتل الجماعي، مرة كان عدد القتلى 13 في صنبو اسيوط وكانت مأساة ما بعدها مأساة واليوم انظر عدد القتلى وكلهم من الاقباط ما يعني ان احدا لم يدرس ولم يتعرف ولم يناقش ما الذي يحدث ثقافيا ووجدانيا في "مصر الاخرى". ويرى المفكر الاسلامي الدكتور محمد سليم العوا ان ما جرى في الكشح "لا علاقة له بالطائفية ولا يشكل مناخ فتنة طائفية بقدر ما هي عصبية عبرت عن نفسها هذه المرة بين مسلم ومسيحي، واعتداء طرف على طرف واتساع المعركة بانضمام العصبية لكل طرف ينتمي إليها. وأراه مناخ شجار قد يحدث بين مشجعي ناد رياضي وآخر مثلا، من دون ان تكون لذلك علاقة بالدين". وأضاف: ان ما جرى كان شجاراً انقلب معركة كانت يمكن ان تحدث بين المسلمين والمسلمين او بين المسيحيين والمسيحيين، وايضا بين مسلمين ومسيحيين، وهذا ما حدث، لأن الشعب المصري في الاساس يرفض الفتنة بأقباطه ومسلميه. ولفت الى ان الحادثة الاخيرة بدت كبيرة لأنها وقعت في الكشح، ونسى الناس ممن وصفوا الامر بالفتنة انها في المرة الاولى لم تكن بين مسلمين ومسيحيين بل كانت حادثة قتل مسيحي لمسيحي وتدخلت الشرطة باجراءات امنية شابتها أخطاء، ولم تكن هناك فتنة في الاولى ليؤسسوا عليها فتنة في الثانية، وارفض تصوير الامر على ان هناك قتلاً جماعياً للاقباط او ظلما وقهرا شديدين عليهم او اضطهاداً لأنها نغمة مرفوضة، فاذا كان هناك مظلوم فلماذا يكون قبطياً؟ هنا مظلوم مسلم ومظلوم مسيحي فالظلم لا يعرف الديانة، وعقلاء الاقباط يعرفون ذلك جيداً. لكن عقلاء الاقباط والمسلمين لم يعودوا يعملون لحل تلك الازمات. وقال: الحل الامني المسيطر على حل جميع المشاكل هو امر في غاية الخطورة لأنه يمنع العنف موقتا، ولكنه لا يقدم حلولا للمشاكل السياسية والدينية والاجتماعية التي يتطلبها تكامل الحل. ويجب على الاحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، فضلا عن مؤسسات الدولة والحكومة ان تتحرك نحو الحل الكامل بشكل اكثر فاعلية حتى لا تتكرر تلك الازمات. ربما كان بروز الاتجاهات المتشددة في الآونة الاخيرة ونظرة "جماعة الاخوان المسلمين" الى الاقباط وراء شعور الاقباط بالغبن. ولكن - والحديث لا يزال للدكتور العوا - دعنا نقول إن الشعور هذا لا يفرق بين مسلم ومسيحي. ولكن هناك فرقاً بين شعور حقيقي بالغبن لدى بعض الأخوة الاقباط وآخرين يصطنعون الشعور بالظلم، وهم أخطر لأنهم يشيعون هذا الجو الخانق ويشكلون خطورة على المجتمع كله. اما من ناحية "الاخوان" فلا علاقة لهم بأزمة الأقباط وليس لديهم توجهات ضدهم بل هم أكثر الجماعات الدينية احتراماً للأقباط وحرصاً على حقوقهم، اما جماعات التطرف الاسلامي الحديثة فهي جماعات تطرف ليس على الاقباط بل على المسلمين، هم أكثر تطرفاً داخل الجسد الاسلامي وليسوا معنيين بغير المسلمين. وختم العوا بقوله: "أخشى من زيادة العنف الاجتماعي هو ما نلحظه الآن وفيما جرى في الكشح. ويقيني انه ليس هناك اضطهاد، وما يشكون منه معروف ولكن ابداً لم يصل مرحلة الاضطهاد وقياداتهم تعرف ذلك وتعيه جيداً"